قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾1 قيل إنَّ المراد من الآية المباركة أنَّ المشركين يُسمُّون الآلهة التي يعبدونها من دون الله تعالى باسم الإناث مثل اللات، والعزَّى، ومناة الثالثة، ونائلة، وإساف، وقيل إنهم كانوا يعتقدون أنَّ الأصنام التي يعبدونها هي بنات الله تعالى ألا ينافي هذا التفسير أنَّ بعض الأصنام التي يعبدها المشركون لم تكن باسم الإنثى مثل هبل ويعوقا ونسرا؟

التفسير المذكور للآية وإنْ كان قد أفاده بعضُ المفسِّرين لكنَّ الصحيح هو أنَّ المراد ظاهرًا من الآية هو غير هذا المعنى المذكور، فالإناث في الآية ليس هو المعنى المقابل للذكور، فالعربُ قد تطلق كلمة الأنثى والأنيث على مطلق المنفعل من الجمادات وغيرها، يقال أنِث الحديد إذا استلان وصار طيِّعًا، ويُقال للحديد اللين أنيثًا، فلأنَّه ليِّن ينفعلُ ويلتوي بالغمز والضغط لذلك يُقال له أنيث، يقول الراغب الأصفهاني في المفردات في غريب القرآن: “المنفعل يُقال له أنيث ومنه قيل للحديد الليِّن أنيث”(2) وكذلك يُقال للأرض السهلة والرخوة القابلة للإنبات: أنيثة ومئناث كما في لسان العرب وغيره(3)، فحيثيَّة القابيليَّة للانفعال هي منشأ تصحيح وصفها بالمئناث والأنيثة.

وهذا هو منشأُ وصف الآية الكريمة – ظاهرًا – معبوداتِ المشركين من الأصنام وغيرها بالإناث، فهو لغرض الإشارة إلى أنَّها منفعلات يقعُ عليها الفعل فهي مصنوعة شأنُها شأنُ سأئر الأجسام والمخلوقات، وما هذا شأنُه لا يصلح أنْ يكون معبودًا، فالآيةُ تستبطنُ البرهنة على عدم صلاحيَّة معبودات المشركين لأنْ تكون آلهة ومعبودة.

فمفادُ الآية أنَّ هؤلاء المشركين إنَّما يعبدون أشياء مصنوعة وقعت محلَّا للفعل والإنفعال، وهذا معنى وصفها بالإناث، كما أفادت ذلك آيةٌ أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾(4) فهي مخلوقة ، ووجودُها نشأ عن فعل فاعل وهو معنى الانفعال المُصحِّح لوصفها بالإناث.

فليس المراد من الإناث في الآية هو المقابل للذكور حتى يُقال إنَّ بعض أسماء آلهة المشركين مذكَّرة، فكلُّ آلهة المشركين إناث بالمعنى المذكور بقطع النظر عن طبيعتها والإسم الذي تٌسمَّى به، ذلك لأنَّها جميعًا تشترك في كونها منفعلة ومخلوقة، وبذلك يدخل في إطلاق الآية كلُّ معبودات المشركين سواءً كانت أسماؤها مؤنَّثة كاللات والعزَّى أو مذكرة كيغوثا ونسرا وهبل، وسواءً كانت من قبيل الأصنام أو غيرها كالنور والقمر وكذلك يدخلُ في إطلاق الآية مثل السيِّد المسيح (ع) وبوذا والملائكة، فكلُّ هؤلاء وصفتهم الآية بالإناث للتعبير عن عدم صلاحيتهم للعبادة باعتبارهم أشياء منفعلة ومصنوعة.

ويؤكِّد هذا الاستظهار أنَّ الآية حاصرة فهي قد صِيغت على نهج النفي والإستثناء وهو من صِيغ الحصر، فمفادُ الآية أنَّه ما مِن شيءٍ من معبودات المشركين إلا وهي من الإناث، ومن الواضح أنَّ أسماء الآلهة ليست كلُّها مؤنَّثة كما صرَّح القرآنُ بذلك في مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾(5) وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾(6) وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾(7) وقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾(8) إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(9) فأكثرُ المعبودات المذكورة في هذه الآيات ليست مؤنَّثة لفظًا ولا هي مؤنَّثة حقيقة، وهو ما يُؤكد أنَّ المراد من الإناث في الآية ليس هو المعنى المقابل للذكور.

هذا وقد استوجه السيِّد الطباطبائي رحمه الله في الميزان(10) التفسير الذي ذكرناه للآية المباركة وأفاد أنَّه المناسب لمقتضى الحصر الذي صِيغت على نهجه الآية، فلو كان المراد من الإناث هو المقابل للذكور لخرج الكثير من معبودات المشركين وهو ما ينافي الحصر الذي صِيغت به الآية المباركة، هذا مضافًا إلى ملائمة ذلك للإستعمالات اللغويَّة، فالأنوثة تُستعمل في اللغة بمعنى الإنفعال، وهذا المعنى هو المُناسب لواقع مطلق آلهة المشركين حيثُ إنَّها مخلوقة منفعلة، وهو المُناسب لوصف الآيات الأخرى لآلهة المشركين في مقام البرهنة على عدم صلاحيتها لأنْ تكون آلهة ومعبودة حيثُ وصفها بأنَّها مخلوقة كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾(11) فالأنوثة التي وَصفت بها الآيةُ من سورة النساء آلهةَ المشركين تعني أنَّ شأنها الإنفعال المحض والذي هو شأنُ المخلوق إذا قيس إلى الخالق، فمفادُ الآية من سورة النساء هو مفاد قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.

وثمة تفسيرٌ للآية المباركة قريب من التفسير المذكور نقله الشيخُ الطوسي رحمه الله في التبيان عن الحسين بن علي المغربي(12) وحاصلُه أنَّ المراد من الأنوثة – الذي وصفت به الآيةُ آلهةَ المشركين – هو الضعف والعجز وعدم القدرة، فالإناث تعني الضعاف العاجزين والذين لا قدرة لهم، وهذا المعنى مستعملٌ أيضًا في لغة العرب، فهم يصفون السيف غير القاطع بقولهم: سيفٌ أنيث وميناثة وميناث أي غير قاطع، ويقال: أنِث في أمره: إذا لانَ وضعُف، وهذا المعنى مستعمل في العرف العربي إلى وقتنا الحاضر، فهم إذا أرادوا التعبير عن ضعف أحد أو شيء قالوا هو أُنثى ومونَّث بل إنَّ ذلك هو منشأ وصف مثل المرأة بالأنثى فإنَّ شأنها غالبًا هو الضعف في مقابل الرجل أو أنَّ مشأ ذلك هو ليونتها وتكسُّرها وانفعالها وهو من مظاهر الضعف، وعليه فالآيةُ بصدد البرهنة على عدم صلاحيَّة معبودات المشركون لأنْ تكون آلهة ومعبودة وذلك لضعفها، وما هذا شأنُه لا يكون إلهًا.

وبناءً على هذا التفسير لا يرد الإشكال المذكور أيضًا، فما من معبود من آلهة المشركين إلا وهو متَّصف بالأنوثة بهذا المعنى، فليس فيها إلا ما هو ضعيفٌ وعاجز وفاقدٌ للقدرة المستقلَّة، ومَن كان هذا شأنُه فهو لا يصلح أنْ يكون معبودًا.

والمتحصَّل ممَّا ذكرناه أنَّ المناسب لكون الآية بصدد البرهنة على بطلان معبودات المشركين والمناسب لصوغ الآية على نهج النفي والاستثناء المفيد للقصر والحصر مع الإلتفات إلى أنَّ آلهة المشركين لا تنحصر في المسماة تسمية الأنثى المناسب لكلِّ ذلك هو أنَّ المراد من الإناث التي وصفتْ به الآيةُ آلهة المشركين هو ليس الإناث المقابل لمعنى الذكور.

الشيخ محمد صنقور

1- النساء/117.

2- المفردات في غريب القرآن – الراغب الأصفهاني – ص 38.

3- لسان العرب – ابن منظور – ج2 / ص 113، تاج العروس – الزبيدي – ج3 / ص166.

4- الفرقان/3.

5- نوح/23.

6- المائدة/116.

7- المائدة/72.

8- المائدة/75.

9- المائدة/76.

10- الميزان في تفسير القرآن – السيد الطباطبائي – ج5 / ص83.

11- الفرقان/3.

12- التبيان في تفسير القرآن – الشيخ الطوسي – ج 3 / ص 331.

المصدر: مركز الهدى للدراسات الاسلامية

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here