عندما رحل الصحفيون العراقيون مع المقاومة الفلسطينية من الأردن الى لبنان، رحل معهم صحفي عراقي يدعى عادل وصفي، يعمل في مجلة فلسطين الثورة التي تصدرها منظمة فتح، ولم يكن هذا الشاب معروفاً على مستوى واسع، كما لم يكن له دور في نشاط المعارضة العراقية، لكن ذلك لم يمنع فرقة ألاغتيال في السفارة العراقية ببيروت من اغتيال عادل وصفي، فاقسم السيد ياسر عرفات في اجتماع حاشد على الثأر له من قاتيله.

وفي بغداد سئل صدام حسين يوماً عن جدوى اغتيال هذا الصحفي الذي أصبح اسماً تتداوله الصحافة العربية والعالمية، مما يسيء الى سمعة العراق، فأجاب صدام وببرود عجيب أعتقد أن الرفيق برزان عالج موضوعه وليس المقصود هو، انما لجر أذن (هذا الغيرة سز عرفات) -هذا ما جاء في كتاب “أسوار الطين” لحسن العلوي..

نقل ضابط مخابرات عراقي عن برزان التكريتي عندما كان بمنصب رئاسة المخابرات قوله “يكفينا فخراً أن المعارض الموجود في واحدة من مقاهي باريس أو براغ، عندما يحاول أن ينتقدنا يلتفت يميناً أو شمالاً خوفاً من وجود ضابط مخابرات بجانبه” وهو وصف دقيق لتأثير نشاط فرق المخابرات العراقية على من هرب من البلد في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. لم تقم المخابرات العراقية بمهمة المراقبة فقط بل قامت بمهمة تصفية واغتيال ضحايا عدة توزعوا في أكثر من بلد في العالم رافقها في أغلب الأحيان صمت شبه مطبق عالمياً و عربياً على عمليات الاغتيال تلك.

احد الضحايا كان الصحفي عادل وصفي وهو من مواليد بغداد ، وخريج كلية التجارة والاقتصاد، ثم التحق بمنظمة التحرير الفلسطينية ليصبح نائبا لرئيس تحرير مجلة فلسطين الثورة التي كانت تصدر من بيروت/ المدينة التي سكن وتزوج عادل فيها من امراة فلسطينية.

عن حدث اغتياله كتب مؤيد الراوي ” في الساعة العاشرة واربعين دقيقة من يوم ٢٠/ ٦/ ١٩٧٩ وفي وضح النهار ، قتلوا عادل وصفي.

كنت نائماً حين أيقظتني زوجتي بالنواح. ومع أن القتلَ والدمَ كان يحيط بنا في بيروت وهيَ تخوضُ الحرب الأهلية حتى التخمة، لم أصدق النبأ. لقد اعتدت أمام عاصفة الموت أن أخدع نفسي وأدافع عنها من هجمة ألمٍ غير مطاق؛ أطوِّلُ استيعاب الكارثة، أتغطى بها رويداً، متدفئاً بحماها حتى أهذي، وحتى تبدو الحقيقة مثل الحلم. لكن العاصفة ستأتي مهما تَحَصَنتَ بالوهم وستخرِّب دارَكَ في كل الأحوال، وستجابه في النهاية حقيقة موت شخص عزيز عليك بعد أن خفّ ثقلها الذي أحنى منكبيك. لقد إنحنى ظهري ومال رأسي وارتجفتْ البرودة فيَّ عندما تيقنتُ من موتِ هذا العزيز: عادل وصفي.

لم أتذكر في ذلك الوقت وأنا أواجه موت عادل المخفف سوى مرثية كلكامش عندما فقدَ أنكيدو، وأنا ممتليءٌ بالحقدِ وغاضبٌ حتى الإعياء، ليس ضد القدر وإنما ضد عراقيين حملوا الجريمة من بغداد الى بيروت ليزرعوها في قلب فتى صافي النوايا لم يرَ من الدنيا إلاّ بَهجتها ووجهها الجميل.

كنت أحب عادل. كنا نقيضين.

هو كالصفحة البيضاء و كالماء الهادئ في بحيرة، وأنا أحفرُ في المجهول، وأتعارض مع نفسي، وأشكك في حياتي مثل عقرب سيلد فيحاول الخروج من حلقة نار أُدخلَ فيها. أنا الفوضوي لا أملك حتى حاضري، وهو المنظم الذي يقيس حياته بالدقائق: هذا التنظيم الصارم للزمن رصده قَتلة عادل وصفي.

كان كلّ يوم يصل المجلة التي يعمل فيهافي تمام الحادية عشرة. هكذا ظفروا به قَـتلة البعث، من النظام العراقي، وأسكتوا قلبه برصاصة، وفقدت صديقا كنت أتأمل به، وأستغرب من رصانته وتوازنه بحيث أنني سألته يوماً : يا خالد ـ وكان اسمه المستعار ـ أية سماوات تريدها أن تسقط لتتبدل سحنتك وتعرف أنك غريب في هذا العالم، والعدالة التي تأمل بتحقيقها مجرد أ وهام؟ ولكنني عرفت بعد موته أن الكثيرين، خاصة أولئكَ العراقيون الذين هربوا من نار النظام الى جحيم بيروت، قد أحبوه لأنهم وجدوا فيه نقيضهم أيضاً،عندما أبصروا في مرآته صورة وجوههم وقد أُختزِلتْ منها أعشاب الخوف والمذلة. كان عادل وصفي حالماً، ويوحي للآخرين بالحلم، كما لو أنه استيقظ من النوم تواً ليحدثك عن أشياء صغيرة وليطرحَ عليك أسئلة قلما تخطر في بالك. يضحك بسحنته الهادئة وملامحه الواضحة وبعواطفه العميقة المتدفقة. كان شاعراً دون أن يكتب الشعر بالكلمات. كان متأملاً ومتذكراً، محتشداً بالمشاعر، لما يحيط به ولما تركه خلفه وما يأمل به. كان عراقياً صميمياً، بمعنى أنه كان يَحملُ ذاكرةً غير مؤذية عن البلاد وعن الناس. كان رجلآً من المدينة ـ من بغداد ـ وقد تعلقَ بنهرها وبشروق شمسها أو بمغيبها خلف أشجارٍ على ضفاف دجلة. تعلقَ بحياة الجامعة التي درس فيها، وهو يتذكر أسماء الأصدقاء والأحبة و يأمل في العودة يوماً الى العراق ليحدثهم بروح عامرة عن زمن مضى.

لست أدري لِمَ وكيف ترك البلاد، وأية مصاعب مع “البعث” دفعته الى الحدود لكي يلتحق بالحركة الفلسطينية. لكنني في حواري معه كنت أكتشف في كل مرةٍ روحه السمحة ونقاءه الداخلي ودعابته البريئة وتعارضه مع نظام البعث الذي كان يَصِفهُ من دون أوصافٍ كثيرة؛ بأنه مجرد نظام غير صالح.. كان يجعلني أن أفكرَ بأنه ليسَ من هذا الزمان، وهو أقرب الى الأمير مشكين في روايه ديستويفسكي في براءته وفي التعبير عن عواطفه بشكل مباشر. في الساعة العاشرة واربعين دقيقة من يوم ٢٠/٦/١٩٧٩ نزل عادل وصفي من شقته في بيروت بعد أن قبَّل طفلتيه لمى وسناء وودع زوجته عطاف ثمّ اتخذ طريقه في شارع الفاكهاني الى مجلة “فلسطين الثورة” التي كان أحد سكرتيري تحريرها. كان مقر المجلة لا يبعد عن داره اكثر من ٤٠٠ متر.

شارعٌ مزدحم بالناس وبالحوانيت والباعةِ، وبمكاتب المنظمات الفلسطينية. كنا نسميه “الشارع الأخير” لإنكفاء المقاومة الفلسطينية بسبب الحرب الأهلية والحصار السوري في هذا الشارع الضيق. ولم يكن يفكر أحد بمخاوف التهديد وانعدام الأمن في هذه البقعة الصديقة. ولكن يبدو أن القتلة من فرق الإغتيالات للنظام العراقي كانت أكثر دراية ودربة وفناً للقيام بعملها، فقد درست وتدربت ووُضعت في خدمتها كافة الأمكانيات المعلوماتية والمادية والتسليحية، وخاصة عبر ذراعها جبهة التحرير العربية ومخبرين في حزب البعث اللبناني بالإضافة الى عيونها ومنفذي أوامرها من المتسللين الى المنظمات والهيئات المتواجدة في المنطقة.

في منتصف الطريق بين داره وبين مكان عمله ـ مجلة فلسطين الثورة ـ في الشارع المزدحم بالناس والباعة والمقاتلين والنساء والأطفال، وبالحوانيت والمقاهي، وبمكاتب المقاومة الفلسطينية أوقف شخص ما عادل وصفي على الرصيف الأيسرـ كما سرد شهود عيان ـ طالباً منه بأدب جم أن يشعل له سيكارته. وعندما فعل ذلك عادل مقترباً منه أخرج ذلك الشخص مسدساً بكاتم صوتٍ فأطلق الرصاص مباشرة نحو قلبه. كان القاتل قد ابتعد واتخذ طريقه بين زحمة الناس لينفذ من زقاق قريب الى سيارة تنتظره، فيما تهاوى عادل وسقط بطيئاً على الأرض. لم يعرف الذين شاهدوا سقوطه للتو حقيقة الأمر إلاّ بعد أن شخبَ الدمُ ولوّن القميصَ وسال على الأرض.

في هذه البقعة التي تمتلكها المقاومة الفلسطينية حدث الهرج والصياح والبحث عن القاتل ، لكن القاتل ابتعد واختفى في مكان ما من بيروت. إلآّ أن الناس الذين عرفوا القتيل بأنه خالد العراقي “عادل وصفي” سكرتير مجلة فلسطين الثورة نشروا الخبر في مكاتب المقاومة الفلسطينية. وبدأت أكثر من جهة، وأكثر من جهاز أمني لفصائل المقاومة البحث عن القتلةِ، وتكللت المساعي بعد زمن قصير بمداهمة وكرهم في منطقة الروشة وإلقاء القبض على معظم أفراد فرقة الإغتيال والحصول على اعترافات ووثائق تؤكد الجريمة التي اقترفوها، فضلاً عن اعترافهم بقائمة من الأسماء كانت على لائحة الإغتيال من عراقيين وفلسطينيين. ويعود الفضل الأكبر في توفير هذه المعلومات الأولية الى جهاز الأمن الطلابي لمنظمة فتح الذي كشف وكر المخابرات العراقية وألقى القبض على أفرادها. وبعد أن افتضحت أسرار الشبكة المخابراتية الإرهابية المكلفة من قبل نظام البعث العراقي اودع القتلة في سجن المقاومة. وقامت أجهزة الأمن الفلسطينية بالتوسع في التحقيق معهم، لكنها سترت فيما بعد معلومات اضافية حصلت عليها من الإعترافات.

كان ينبغي اعلان اسماء القتلة والجرائم السابقة التي ارتكبوها، وعلاقتهم العملية بالسفارة العراقية في بيروت وبدور شعبة المخابرات في السفارة، وبعائدية هذه الفرقة المكلفة بالإغتيالات، ومن هي الجهة والشخص الذي أناط بهم في العراق هذه المهمة. ولست أدري كيف جرت الأمور فيما بعد وبأي اتفاق وتفاهم جرى تسفير وتسليم القتلة المعتقلين للنظام العراقي من قبل المقاومة الفلسطينية.

لكن الأمر كان بمثابة طعنة خنجر من الخلف في صدور العراقيين الذين أعطوا ضحايا كثيرة في سبيل المقاومة الفلسطينية. جرت عملية اغتيال عادل وصفي الذي شغل منصب أحد سكرتيري التحرير لـمجلة “فلسطين الثورة” في جو من تأزم العلاقة بين منظمة فتح والنظام العراقي. وكان النظام البعثي قد أغلق مكاتب فتح في العراق ونكل بأعضائها واستملك الورشات الصغيرة التي كانت فتح تستعملها لصنع الذخيرة ولغيرها من الإحتياجات.

ودعمت أجهزة المخابرات العراقية جماعة أبو نضال المنشق من منظمة فتح، ومكنتها من اداء دور تخريبي في صفوف المقاومة. كان النظام البعثي في العراق يدعم وينسق بين ما سمي آنذاك بـ”جبهة الرفض”. وينسق مع صحف وأجهزة اعلام يدعمها ويغذيها بالمال. وكان يوصل الخيوط مع القوى المعادية للمقاومة في لبنان إبان الحرب الأهلية ويحوّل موقعه من بيروت الغربية الى بيروت الشرقية ـ الى جونيا، التي كانت تصلها اسلحة عراقية، مثلما كانت تصل الى “جبهة الرفض” لتواجه “جبهة القبول” وتواجه الجيش السوري الذي لعب دوراً هاما في التشكيلة المتناقضة للبنان إبّان تلك الحرب. في هذا الجو المتوتر الذي أحست فيه فتح بضربات نظام البعث العراقي وخاصة بعد اغتيال عدد من كوادرها مثل عزالدين قلق وسعيد حمامي وعلي ناصر ياسين وعدنان حماد ومهاجمة مكاتبها في باكستان، قامت عبر مجلتها المركزية “فلسطين الثورة” بحملة فضح لمواقف البعث العراقي المعادية للثورة الفلسطينية”.

اغتيال عادل أثار اهتماما أعلامياً لم يدم طويلا بمهمات تصفية والغاء الأخرين التي قامت بها السلطة في ذلك الحين. أنكرت السلطة دورها في عملية الاغتيال تلك ببيان صدر باسم نعيم حداد. وفي نفس الوقت تقريباً سئل الرئيس عن تلك العملية فقال كما ورد في كتاب أسرار الطين لحسن العلوي “أجاب صدام وببرود عجيب أعتقد أن الرفيق برزان عالج موضوعه وليس المقصود هو وانما لجر أذن الغيرة سز ياسر عرفات.”

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here