رُشَيد كزُبَير تصغيراً لرَشيد أو راشد، والهَجَري بفتح الهاء والجيم وكسر الراء والياء(1). لم ينقل المؤرّخون شيئاً عن مكان ولادته وزمانه ولا عن أحد من أسرته عدا ابنته “قنواء” التي نقلت بعض المحطات الأساسيّة من حياة أبيها، كما سيأتي إن شاء الله. وأمّا نسبته إلى هَجَر ففيها أقوال، منها ما قاله السمعاني: “نسبة “رُشيد” إلى بلدة “هَجَر”، وهي من بلاد اليمن من أقصاها. وقلال هجر معروفة والمشهور بهذه النسبة رشيد الهجري”(2).

* رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبتسم لرُشَيد في معركة أُحد

لقد فاز “رُشيد” بمشاركته في الجهاد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد وهو غلام حدث السنّ. وذكر جماعة منهم ابن أبي إسحاق والواقدي وابن عبد البرّ أنّه روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشهد معه أحُدًا(3).

وأشارت بعض الكتب التاريخيّة، إلى أنّ رُشيداً كان مولىً لبني معاوية، بطن من الأوس، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كنّاه بـ”أبي عبد الله” ولا ولد له يومئذٍ(4). لقد فتح رُشيد عينيه على الحياة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وختمها بالشهادة على حبّ الوصيّ عليه السلام. أفنى عمره في صحبتهما وصحبة ثلاثة أئمة وهم سبطا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإمام السجّاد عليه السلام(5).

* رُشيد من حواريّي أمير المؤمنين عليه السلام

منزلة رُشيد من أمير المؤمنين عليه السلام كمنزلة سلمان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكل ما جرى على رشيد كان على علم ومعرفة به، حيث إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد ألقى إليه علم البلايا والمنايا، وكان في حياته إذا لقي الرجل قال له: يا فلان أنت تموت بميتة كذا، وتُقتل أنت يا فلان بقتلة كذا. فيكون كما يقول رشيد. وعن فضيل بن الزبير قال: “خرج أمير المؤمنين عليه السلام يوماً إلى بستان التمر البرني ومعه أصحابه، فجلس تحت نخلة يستظلّ بها ثمّ أمر بنخلة، فلقطت فأنزل منها رطب فوضع بين أيديهم فأكلوا فقال رُشيد: “يا أمير المؤمنين ما أطيبَ هذا الرطب!”، فقال عليه السلام: “يا رُشيد أما أنّك تصلب على جذعها”، فقال رُشيد: “فكنت أختلف إليها طرفَي النهار أسقيها”(6).

* ما هو علم البلايا والمنايا

المنايا جمع منيّة، وهي الموت ومفارقة الدنيا، ومن كان له هذا العلم فهو مطّلع على آجال الناس، بتعلم من الله تعاله وحججه وأوليائه

والبلايا جمع بليّة وهي المصيبة والمحنة. ومن كان له حظّ من هذا العلم فهو مطّلع على الحوادث والوقائع التي تستدعي الإخبار وترد فيها المصائب كالزلزلة، والطوفان، والغرق وانتشار الأمراض كالوباء والطاعون والحوادث والوقائع النازلة بالناس. ولقد خصّ أمير المؤمنين عليه السلام رُشيداً ببعض الحوادث والوقائع الغيبيّة.

منها ما رواه صاحب أمالي الشيباني، قال رُشيد الهجري: “كنت في بعض الطريق مع علي بن أبي طالب عليه السلام إذ التفت فقال: “يا رُشيد أترى ما أرى؟”، قلت: لا يا أمير المؤمنين، وإنه ليكشف لك من الغطاء ما لا يُكشف لغيرك، قال: “إني أرى رجلاً في ثبْج(7) من نار يقول: يا عليّ استغفر لي، لا غفر الله له”(8).

 

* رُشَيد مع ابنته قنواء

ذكر المؤرخون ابنة رُشيد ورووا عنها ما يؤكّد أنها كانت على معرفة بعلم المنايا والبلايا بمقدار ما أطلعها عليه والدها. ومن جملة ذلك ما رواه أبو حيّان البجليّ عن قنواء قال: قلت لها أخبريني ما سمعتِ من أبيك، قالت: سمعت أبي يقول: “أخبرني أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا رُشيد كيف صبرك إذا أرسل إليك دعيّ بني أميّة فقطع يديك ورجليك ولسانك؟ قلت: يا أمير المؤمنين، آخر ذلك إلى الجنّة؟ فقال: يا رُشيد أنت معي في الدنيا والآخرة”(9)، إلى آخر الخبر. وممّا أوصى به ابنته: “يا بنيّة، أميتي الحديث بالكتمان واجعلي القلب مسكن الأمانة”. ومنها ما قالت له ذات يوم: “يا أبي ما أشدّ اجتهادك!”، فقال: “يا بنيّة يأتي قومٌ بعدنا بصائرهم في دينهم أفضل من اجتهادنا“.

* في مواجهة ابن زياد

يقول رُشيد: “فجئت يوماً إلى النخلة وقد قُطع سعفها، قلت: “اقترب أجلي”، ثمّ جئت يوماً فجاء العريف، فقال: “أجب الأمير”، فأتيته فلمّا دخلت القصر إذا الخشب مُلقى، ثم جئت يوماً آخرَ فإذا النصف الآخر قد جعل زرنوقاً [نهر صغير] يستقى عليه الماء، فقلت: “ما كذّبني خليلي”، فقال: “فجئت حتّى ضربت الزرنوق برجلي”، ثمّ قلت: “لكِ غُذّيت ولي نبتِّ.. ثمّ أُدخلت على عبيد الله بن زياد”، فقال: “هاتِ من كذب صاحبك”، قلت: “والله ما أنا بكذّاب ولا هو، ولقد أخبرني أنّك تقطع يدي ورجلي ولساني”، قال: “إذاً، والله نكذبه، اقطعوا يديه ورجليه وأخرجوه“.

فلمّا حُمل إلى أهله أقبل يحدّث الناس بالعظائم(10) وهنا سألت قنواء أباها: “يا أبت جُعلت فداك!… هل تجد لما أصابك ألماً؟”، قال: “لا والله يا بنيّة كالزحام بين الناس”. ثمّ دخل عليه جيرانه ومعارفه يتوجّعون له، فقال: “ائتوني بصحيفة ودواة أذكر لكم ما يكون ممّا أعلمنيه مولاي أمير المؤمنين عليه السلام”، فأتوه بصحيفة ودواة فجعل يذكر ويُملي عليهم أخبار الملاحم والكائنات ويسندها إلى أمير المؤمنين عليه السلام(11)، وهو يقول: “أيّها الناس، سلوني وإنّ للقوم عندي طلبة لم يقضوها”، فدخل رجل على ابن زياد فقال له: “ما صنعت! قطعتَ يديه ورجليه وهو يحدّث الناس بالعظائم؟“.

قال: “فأرسل إليه، ردّوه -وقد انتهى إلى بابه فردّوه- فأمر بقطع لسانه وأمر بصلبه”(12).

* رُشيد على لسان الإمام الكاظم عليه السلام

عن إسحاق بن عمار يقول: سمعت العبد الصالح [الإمام الكاظم عليه السلام] أبا الحسن ينعى إلى رجل نفسه، فقلت في نفسي: “وإنّه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته”، فقال شبه المغضب: “يا إسحاق، قد كان رُشيد الهجري يعلم علم المنايا والبلايا، فالإمام أولى بذلك”(13).

* مرقده الشريف

يُنصب اليوم قبره المبارك على بُعد نحو كيلو متر واحد عن الشارع الواصل بين النجف والحلّة، في منطقة الشهابيّة التابعة لناحية الكفل ضمن محافظة بابل. وهو عبارة عن مجموعة كاملة تبلغ مساحتها دونمين تتضمّن الصحن الذي يحوي حرمه المطهّر، وباب الحرم تعلوه الكتيبة لمرقد الصحابيّ الشهيد رُشيد الهجريّ.

الهوامش:

1-الخلاصة، الحلّي، ص146؛ النراقي، ص290.

2-الأنساب، للسمعاني، ج5، ص627.

3-الاستيعاب، ابن عبد البر، ج2 ص496.

4- (م.ن).

5-نقد الرجال، التفرشي، ج2، ص243.

6-رجال الكشي، ص87؛ بحار الأنوار، المجلسي، ج42، ص87.

7- “ثبج” الشيء وسطه ومعظمه.

8- بحار الأنوار، (م.س)، ج41، ص211.

9- أمالي الطوسي، ص103.

10- بحار الأنوار، (م.س)، ج42 ص138.

11-أمالي، الطوسي، (م.س)، ص166.

12- بحار الأنوار، (م.س)، ج42 ص138.

13- بصائر الدرجات، الصفار، ص73

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here