د. سعد الحداد 

المختارات الأدبية .. تعني الذائقة .. وتعني الاعجاب وإثارة الاهتمام .. وما عملية الانتقاء أو الاختيار لما  في بطون الكتب أو الدواوين الشعرية أو تدوين عن سماع مباشر أو نقل عن أفراد إلا دليل  أهمية في التلذذ والميل نحو الجمال ونقله للآخرين من أجل الانتفاع به والاستئناس بمادته , وربما العمل بما في بعضه من حِكَمٍ ومواعظ أو الاستفادة من تجارب من تقدم من بني البشر وخصوصا المبدعين ومنهم الشعراء , وهو في نهاية المطاف متعة للعقل ونفحات للروح وثراء للفكر .

وقيل قديماً : (اختيار الرجل قطعة من عقله , تدلُّ على تخلّفه أو فضله).

وقد  حفل الادب العربي بالكثير من هذا الصنف من التأليف في أبواب مختلفة من المعارف , بكن للشعر حصة كبرى في مجال التأليف والتصنيف , وأقدم المصنفات المختارة في هذا الباب ماصنَّفه المفضّل الضبّي الكوفي ( ت168ه) في كتابه ( المفضليات )  ثم أعقبه أبو سعيد عبد الملك بن قُرَيْب الأصمعي (ت216ه) بكتابه ( الأصمعيات) ، والكتابان يضمان مختارات من الشعر الجاهلي والمخضرم والإسلامي. ثم توالت المصنفات عبر القرون المتلاحقة باختلاف المعارف وتعدد المنهجيات والرؤى المتبعة في التأليف .

ويطلُّ علينا هذا العام (2018م) كتاب جميل يدخل ضمن خانة التصنيف في كتب الاختيارات الأدبية لمؤلفه المرحوم الحاج محمد حسن الشيخ علي الكتبي (ت 1978م) , كان قد انتهى من تأليفه قبل وفاته بثلاث سنوات .وأسماه ( مختارات الكتبي) وأضاف له عنواناً توضيحياً هو( من الأدب العربي قديماً وحديثاً وشيء من التاريخ ) , ونهد بتحقيقه المحقق الاستاذ صادق الحاج بداي , فجاء الكتاب الذي احتجن (586) صفحة من القطع الوزيري والصادر عن دار المجتبى للمطبوعات في ايران غنياً بمادته التي اشتمل الكتاب عليها فجاءت مختاراته شاملة لمختلف شعراء العصور الأدبية ومن جايلهم من شعراء العراق وبعض البلدان العربية الاخرى , حتى بلغ مجموع من انتقى لهم من الشعراء (250)شاعراً , ولايعني أنه اختار لكل شاعر منهم قصيدة واحدة أو أبيات معدودة  , ربما وقع الاختيار على مجموعة من أبيات متفرقة , استساغتها روحية الحاج الكتبي وأعجب بمضامينها فدونها , وفي أغلب الاحيان لاتتجاوز البيتين أو الثلاث من الأبيات السائرة أو المقطعات النادرة .  ومن جميل عمله أنه ترجم بإيجاز شديد لأغلب الشعراء وذكر أهم ما دونه المؤلفون عنهم من أحداث  ومواقف لافتة للنظر , وترك من لم تسعفه المصادر بالحصول على ترجمة له فاكتفى بإيراد الاسم فقط , بل أن بعض النصوص المنتقاة من المشهور وغيره لم تحمل اسم شاعر بعينه , فكانت مهمة المحقق جليلة في التخريج للنصوص والتعريف بقائليها والتوثيق للمراجع والمصادر التي ذكرتها , فضلا عن ايراد المؤلف لبعض القصص التي ازدانت بعبرها التاريخية والأدبية, والحافلة بالطرافة والجد , ولم يقف المؤلف ( رحمه الله ) عند هذا اللون من الاختيار بل ضمّ اليه فصلاً عن أبرز شعراء العصور (الجاهلي وصدر الاسلام والأموي والعباسي والأندلسي والعصور المتأخرة التي أسماها ( الفترة المظلمة ) وان كنت أختلف معه في التسمية , وبعض الشعراء في العصر الحديث ) مُلحِقاً إياها بمسرد تاريخيّ – سيريّ  عن حُكّام بني أميّة وبني العباس جميعهم .

لابد من القول أن المرحوم الكتبي قد قدَّم جهداً كبيراً نافعاً ماتعاً وهو ينقِّبُ في عشرات المخطوطات والمطبوعات من كتب ومجلات صدرت في شتى بقاع المعمورة , ليقدم زاده المعرفي المنتقى على طبق من ذهب لقرائه الكرام  , فكان كتابه تحفة مهمة زيّنت رفوف المكتبة العربية تنمُّ عن عمق ثرائه المعرفي وغزارة عطائه الأدبي وكثرة اطلاعه وقراءاته , وكان الرجل (رحمه الله) قد خلّف لنا عدَّة كتب مهمة منها ( من حكم وأحكام أهل البيت (عليهم السلام)) طبع سنة 1968م وكتاب ( الشيب والشباب في الأدب العربي) ثلاثة أجزاء , طبع الجزء الاول منه سنة 1968م وكتاب (ديوان الغصن الرطيب من شعر السيد الخطيب) الذي صدر بتحقيقنا سنة 2017م وله آثار مخطوطة أخرى .


ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here