عبدالله الجزائري

لم يتبقى مجالاً للشك في ان الحديث عن الاصلاح السياسي والاقتصادي في العراق هو محض اوهام ومجرد احلام ولغو مبين وجرعات تخدير وسياسة الهاء ، بعد الذي جرى ويجري وبعد الذي شهدناه ونشهده اليوم منذ خمسة عشرة عاما حيث تكشفت السرائر وظهرت الحقائق وتبدت للناس عورة العملية السياسية المتمثلة في نظام المحاصصة الطائفي والتزوير في الانتخابات الذي تجلى بابهى صوره في الانتخابات الاخيرة ، وارتفاع سقف الاسعار في بورصة بيع الاصوات والمناصب ، فكانت ” نفس الطاس ونفس الحمام ” على حد قول شاهد من اهلها ومن احلاسها وهو محمود المشهداني في تصريحه الاخير وصراحته المعهودة ،

وحتى يكون حديث الاصلاح واقعياً وليس ترفاً او تطرفاً ، لابد من تحقق شروط وتوفر ظروف وإعداد رجال وقبل ذلك كله صدق نوايا وتوفر ارادة ، والاهم التخلص من العقد والازمات النفسية التي ورثناها ومن بينها انعدام الثقة بين الفرقاء والاطراف والتدخلات الخارجية التي تقتضيها وتستدعيها ، والتحول الى عقلية ادارة الدولة وليس ادارة احزاب وكيانات وطوائف وقوميات ، وكل ذلك امر بالغ الصعوبة وبعيد المنال ان لم يدخل في باب المحال ، لان العراق ليس بمعزل عن التوترات الاقليمية وازمات المنطقة والتي تلقي بضلالها على المشهد السياسي العراقي ، وحسب نظرية الانساق فان الدول تتبادل التاثير والتأثر فيما بينها ، وحجم التاثير او التاثر يتناسب مع قوة الدولة والدور الذي تلعبه والحصانة التي تتمتع بها ،

والعراق ابتلته الولايات المتحدة الاميركية بنظام سياسي طائفي استبدلت فيه كلمة الطائفة بالمكونات ستراً للفضيحة وتخفيفاً للمصيبة وتضليلاً للراي العام ، وهذا النظام مزمن لا مناص ولا مفر منه الا بالثورة او الانقلاب ، فنجد ان المكونات (الطوائف)تفتقر الى الثقة فيما بينها نتيجة تراكمات الماضي وتحديات الحاضر وهواجس المستقبل ، وكل طائفة تستقوي على الاخرى بلاعب اقليمي او دولي بحسب الايديولوجية والمصالح الفئوية والحزبية ، او تتشكل ائتلافات وتحالفات فيما بينها تحاكي التحالفات الاقليمية والدولية وتعكس على الداخل العراقي نفس الصراعات او نفس العلاقات ، فتضيع وتستباح الدولة وتغيب المصالح الوطنية العليا ، وتتعارض المبادئ في اغلب الاحيان مع المصالح ،

واما الحديث عن الاصلاح الاقتصادي فهو الاخر يثير الريبة والحفيظة لناحية عدم وجود فلسفة او نظرية اقتصادية تتناسب مع الواقع الاجتماعي والثقافي في العراق وتاخذ بالاعتبار التطورات او التحولات السياسية فيه وتستفيد من مجمل التجارب الاقتصادية في المنطقة والعالم ، ولا يجدي استنساخ او خطف التجارب والنظريات والافكار التي طرحت لتناسب مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي وطبقت في دول لم ترث ما ورثه العراق وتختلف في نسيجها الاجتماعي ووعيها الثقافي ، والذي نلمحه او نلمسه ان الفكر الاقتصادي الذي يسوقه ساسة العراق هو فكر لقيط وليس وليد التجربة والواقع ، انما يستند على النظام الراسمالي الذي يركز على اقتصاد السوق والاستثمار والخصخصة وتسيد القطاع الخاص وتراجع دور القطاع العام ، ما يجعل الدول اسيرة ومستعبدة اقتصادياً ،

يكمن حل المشكلة الاقتصادية في تحقيق الكفاية او الاكتفاء الذاتي او تعظيم وتنويع الناتج المحلي الوطني الاجمالي بحيث يتحقق معه التوزيع العادل للايرادات والعائدات منه على الشعب ، والحقيقة ان العراق لم يخلُ من المفكرين الاقتصاديين الذين نظروا في امكانات وموارد وطاقات الدولة فوضعوا خطط للتنمية تنسجم مع الواقع الاجتماعي العراقي حققت نجاحاً كما نذكر في مجلس الاعمار في الخمسينيات واوجدوا حالة توازن بين دور القطاع العام ودور القطاع الخاص ، فكل قطاع له دوره وله مجاله ومسؤوليته تجاه الدولة ، ولا ينبغي اتباع الصيحات والصرخات التي تحاول انهاء او اضعاف دور القطاع العام في الحياة الاقتصادية بغية سيطرة النظام الراسمالي وتشكيل اقطاعيات وطبقة راسمالية يقابلها طبقة معدمة فقيرة كادحة مستعبدة لا هم ولا دور لها سوى معيشتها .

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here