أظهرت قضية خاشقجي جوانب كانت مظلمة للبعض عن حكام السعودية وعلاقات المملكة الخارجية، كما بينت في الوقت نفسه لولي العهد السعودي محمد بن سلمان مدى تعاون أصدقائه معه عندما يقع في موقف محرج، وما حدث بعد قضية خاشقجي لن يعيد الأمور إلى سابق عهدها، وبما أن ابن سلمان لا يعلم إلى أين ستتجه الأمور وفي نفس الوقت ولكون موقفه أصبح أضعف من أي وقت مضى نستبعد أن ينتقم في الوقت الحالي من الذين تخلوا عنه أو التزموا الحياد خوفاً من المحاسبة أو المحاكمة.

أصدقاء المملكة

أفرزت الحرب السورية ثلاثة محاور واضحة: المحور الأول يمثل طهران – دمشق – حزب الله أما المحور الثاني فبرز بعد حصار قطر وهو مشترك بين أنقرة والدوحة أما المحور الثالث فيبدو أنه بين الرياض وأبو ظبي والقاهرة، وبعد انتصار محور المقاومة “إيران- سوريا- حزب الله” في الحرب السورية أصبحت السعودية أكثر عدائية تجاه الجميع في الداخل والخارج خاصة أنه تبع ذلك خسارات متلاحقة في كل من ملف قطر ولبنان وماليزيا واليمن واستمرت السعودية بقيادة ابن سلمان بالاتجاه نحو العزلة على خلفية تحركاتها المشبوهة في المنطقة والتي ارتدت سلباً عليها بالدرجة الأولى وعلى الوضع الداخلي في البلاد، وآخر هذه التحركات تمثلت بمقتل الإعلامي السعودي المعروف خالد خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول ومن ثم اعتراف السعودية بذلك ومحاولة امتصاص الجريمة والتخفيف من وطأتها بعد أن أشعلها الإعلام الغربي والعربي على عكس توقعات محمد بن سلمان الذي نفّذ عمليات مشابهة دون أن ينتج عنها أي شيء وهذا ما ظنّه ابن سلمان ضوء أخضر للاستمرار في هذه السياسة.

أدرك ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد “صديق بن سلمان” أن الأخير دخل في ورطة غير محسوبة النتائج، وبالرغم من أن تصرفات ابن سلمان في أغلبيتها تتم بمعرفة ابن زايد وربما بتحريض منه، إلا أن الأخير عندما وقعت “حادثة خاشقجي” التزم الحياد والصمت وكذلك فعل الحليف الثاني عبد الفتاح السيسي، بينما حاولت واشنطن امتصاص ما جرى خوفاً من إسدال الستار على صفقة الأسلحة التي وقّعها ترامب مع السعودية والتي بلغت 110 مليارات دولار، لذلك حرص ترامب على إنقاذ ابن سلمان من ورطته حتى إتمام الصفقة ولكن في نفس الوقت ترك مساحة للعودة، حيث هدد السعودية بعقاب شديد في حال ثبت تورطها في مقتل خاشقجي.

تذبذب ترامب رافقه حياد من ابن زايد، الذي كان ابن سلمان يعوّل عليه بالوقوف إلى جانبه في مثل هذه الظروف، وبما أننا لا نشكك بذكاء ابن زايد “مهندس سياسة ابن سلمان” فقد عمل ابن زايد على مساعدة صديقه عن بعد عبر ثلاث جهات:

الأولى: عبر ضاحي خلفان حيث دفعه ابن زايد للدفاع عن السعودية عبر تصريحاته المعروفة بإثارتها للجدل، وهذا يظهر أن ابن زايد كان مستعداً للتضحية به على غرار ما فعل ابن سلمان مع سعود القحطاني وأحمد العسيري، لكنه غير مستعد على ما يبدو للتضحية بوزير الشؤون الخارجية أنور قرقاش الذي تم إبعاده عن المشهد السياسي.

الثانية: عبر سفير الإمارات الحالي في أمريكا، يوسف العتيبة، ليكون طرفاً في إخراج السعودية من ورطتها على المستوى الدولي، وخاصة فيما يتعلق بالتأثير على الموقف الأمريكي تجاه قضية خاشقجي وانعكاساتها على كل المستويات.

الثالثة: عبر لوبيات الإمارات في أمريكا التي استخدمها ابن زايد سرّاً من أجل إخراج ابن سلمان من الأزمة وذلك خوفاً من البديل الذي يمكن أن يبتعد في سياساته وتوجهاته عن أبو ظبي وبذلك تفقد الأخيرة نفوذها على الرياض من خلال التأثير على فتى الرياض المراهق محمد بن سلمان.

إذن كان واضحاً أن ابن زايد يريد أن يبتعد عن الواجهة الإعلامية فيما يخص الدفاع عن ابن سلمان لكونه يعلم مدى خطورة ما جرى، حيث يخشى ابن زايد من تسليط الضوء على الدور الإماراتي في جريمة اغتيال خاشقجي، خصوصاً وأن إحدى الطائرتين بعد عودتها من عملية تصفية خاشقجي توجهت إلى الإمارات.

ويجب أن نعلم أن الإمارات والسعودية ليستا على صلح تام، لكن المصلحة المشتركة في هذه المرحلة هي الدليل على هذه العلاقة الوطيدة بين الجانبين، كما أن قدرة ابن زايد على اختراق آل سعود عبر ابن سلمان والتحكم بمراكز قرار السعودية وتحركاتها الخارجية أعطى أفقاً جديداً لهذه العلاقة، وهنا نذكر كلام “محمد بن زايد” بتاريخ 31 (يوليو/تموز) 2006 نقلاً عن ويكيليكس، عندما قال: “الإمارات والسعودية خاضتا 57 معركة ضد بعضهما البعض خلال الـ 250 عاماً الماضية، السعوديون ليسوا أصدقائي الأعزاء، لكنني مضطر إلى التعاون معهم.

التعاون مع السعودية ضروري جداً للإمارات خاصة في هذه المرحلة التي تسعى فيها أبو ظبي على توسيع نفوذها عبر امتطاء ظهر السعودية ووضعها في واجهة أي حدث، اليمن مثال جيد على ذلك، حتى اليمن يمكن أن تظهر لنا في الأيام المقبلة صراعاً جديداً بين الإمارات والسعودية عندما يُنهي ابن زايد حاجته من السعودية في تلك البلاد.

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here