-في السنوات التي أعقبت عام 2003، ومع سقوط النظام البعثي الذي كان يترأسه صدام حسين، فُتح المجال أمام مجموعات سياسية مختلفة للمشاركة في صناعة وتكوين المشهد السياسي العراقي الجديد، حيث شهدنا تكوين التحالفات المختلفة إضافة إلى تشكيل المعارضة، أما اليوم وخاصة بعد المرحلة الحرجة التي مرّ بها العراق بسبب ظهور داعش على المشهد العراقي كان من الطبيعي أن نشاهد تغييرات في التحالفات بين مختلف الجهات الفاعلة على الساحة العراقية.

يمثل أكراد العراق حالة خاصة وسط الحالة الكردية بجميع مناطق كردستان، فهم الأكثر حصولاً على حقوقهم، فضلاً عن تمتعهم بما يشبه الحكم الذاتي فلديهم إقليم مستقل، وبرلمان وحكومة خاصة بهم وفوق هذا يتولى أحدهم منصب الرئيس العراقي، ووفقاً لما سبق، شهد كردستان العراق أيضاً تغيرات جوهرية، فمن جهة شهدنا ظهور قوى جديدة باسم “الجيل الجديد” بقيادة شاسوار عبد الواحد، معارضة للحزبين الحاكمين في إقليم كردستان، ومن جهة أخرى وعلى عكس التقليد الذي دام أكثر من 15 عاماً للحكم في المنطقة الكردية العراقية، بدأ الحزبان الرئيسيان والأكثر نفوذاً وهما الحزب الديمقراطي الكردستاني” و”الاتحاد الوطني الكردستاني” حقبة جديدة من الصراع والنزاع على السلطة، وهو أمر غير مسبوق في حدّ ذاته.

تاريخياً شهدت السنوات التي أعقبت سقوط نظام البعث، تنسيقاً كبيراً بين الطرفين بحيث إنهما لعبا دوراً رئيسياً في خلق البنية السياسية والقانونية للعراق الجديد، وفي وقت لاحق وقّع الطرفان اتفاقية رئيسية في عام 2005، والتي بموجبها اتفقا على أن تكون رئاسة العراق للاتحاد الوطني وشخص جلال طالباني، وأن تكون رئاسة الإقليم للحزب الديمقراطي وشخص مسعود البارزاني. وأصبح التعاون بين الحزبين في عام 2007 أكثر جدية، ومع التوقيع على اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين، أصبح التوحيد بينهما في أربيل وبغداد أمراً أساسياً، وهذا يعني أن كلا الطرفين لهما سياسة موحّدة في مجال الشؤون الداخلية لمنطقة كردستان العراق وكذلك في القضايا السياسية الرئيسية في العراق حتى أنهما دخلا الانتخابات العراقية عام 2009/2010 بإتلاف موحد.

ومع ذلك، خلال الأشهر القليلة الماضية، خاصة بعد الانتخابات البرلمانية الرابعة التي شهدها العراق في 12 مايو 2018، ظهرت الخلافات بين الجانبين وبلغت مرحلة موضوعية وحساسة، حيث يمكن وصفها بأنها كانت أشبه ببداية العودة إلى عصر “الإدارتين”. بعبارة أخرى، ازداد مستوى الصراع والخلاف بين الطرفين إلى درجة كبيرة بحيث إنه في الوضع الحالي، من المرجح أن يعود الطرفان إلى نظام الإدارتين، أي منطقة السليمانية تخضع لحكم الاتحاد الوطني وإدارة منطقة أربيل ودهوك تحت حكم الحزب الديمقراطي، وأمام هذه الوقائع يطرح السؤال التالي: لماذا دخلت العلاقة بين الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني مرحلة الأزمة والتوتر؟ وللإجابة على هذا السؤال سوف نطرح 8 أسباب:

1-إن وفاة جلال طالباني، الزعيم الكردي الكبير للاتحاد الوطني الكردستاني، الذي كان دائماً سياسياً براغماتياً وعقلانياً، والذي يعتبر أيضاً من الركائز الأساسية للحوار بين الجانبين، يمكن اعتباره من أهم الأسباب التي ساهمت في ظهور الخلافات بين الديمقراطيين والاتحاد.

2-كما أن إجراء مسعود البارزاني الاستفتاء حول الانفصال عن العراق، قسم المجتمع السياسي في إقليم كردستان إلى فئتين من المؤيدين والمعارضين، وكان حزب الاتحاد من أبرز المعارضين له ما زاد الانقسامات بين الحزبين أكثر من أي وقت مضى، وفي ظل الظروف الحالية، يعتزم مسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الانتقام من خصومه ما زاد من حدّة التوتر بينهما. ونتيجة لذلك، قام حزب الاتحاد الوطني، باعتماد خيار المواجهة مع البارزاني، ما زاد من الاحتكاك بين الجانبين.

3-كانت استقالة مسعود البارزاني من رئاسة الإقليم بمثابة نهاية لاتفاق الشراكة الاستراتيجي بين الجانبين، الذي تم توقيعه في عام 2007، وقد قلّل هذا من نطاق التعاون بين الحزبين الرئيسيين في الإقليم أكثر من أي وقت مضى.

4-كما أن نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية التي رافقها انتصار الحزبين الكرديين الرئيسيين زاد من التنافس بينهما، ويحاول البرزاني من خلال الـ 25 مقعداً التي حصل عليها في الانتخابات العراقية الأخيرة تأمين وجود قوي في بغداد وإلى حذف حزب الاتحاد من الوجه السياسي الكردي ما زاد من حدّة التوتر بينهما.

5-يعدّ الخلاف حول مرشح مشترك لمنصب رئاسة العراق أحد وجوه الصراع بين الطرفين، حيث كان ترشيح برهم أحمد صالح من الاتحاد الوطني الكردستاني وفؤاد حسين من قبل الحزب الديمقراطي لكردستان العراق نوعاً من المعضلة السياسية بين هاتين القوتين الكبيرتين في شمال العراق، وعلى وجه الخصوص، تعدّ هزيمة الحزب الديمقراطي والبارزاني ثقيلة للغاية لدرجة أنهم استهدفوا بشكل واضح وعلني قادة الاتحاد الوطني.

6-كما أن محاولة الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي التسلل إلى السليمانية والتدخل في شؤون هذه المنطقة، التي يعتبرها حزب الاتحاد تقليدياً بأنها مجال نفوذه، هي سبب آخر للصراع المستمر بين الجانبين، وفي الواقع لم يكن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني وحده المستاء من ذلك بل كذلك أطراف أخرى في منطقة السليمانية، حيث انتقدت سياسات البارزاني ومحاولاته التأثير على المنطقة.

7-كما أن المواقف المختلفة للطرفين وتعاونهما مع عناصر سياسية مختلفة في بغداد زاد من الانقسامات بين الحزبين الكرديين، حيث يقوم حزب الاتحاد بالتقرب من جميع الأطياف العراقية، أما الحزب الدمقراطي اتخذ مساراً معاكساً لما يقوم به الطرف المقابل وذلك لتقويض مشاركة منافسهم في أي حكومة عراقية مستقبلية. وهذا الأمر كان أحد الأسباب الذي زادت من حدّة الاحتكاك بينهما في بغداد.

8-وتشير النتائج غير الرسمية التي أعلنها إقليم كردستان العراق إلى أن الحزب الديمقراطي فاز بـ 44 مقعداً من أصل 111 مقعداً في برلمان الإقليم، وهذا يمنعه من الاستئثار بالسلطة وهو ما يحاول حزب الاتحاد تحقيقه مع الأحزاب الكردية المعارضة للحزب الديمقراطي.

ختاماً.. إن الأيام القادمة قد تكون حاسمة لكلا الطرفين خاصة مع الإعلان النهائي عن نتائج انتخابات البرلمان وبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة التي ستحدد بشكل كبير مستقبل العلاقة بين الديمقراطي والاتحاد عقب عاصفة انتخاب برهم صالح الذي يبدو أن انتخابه قد هزّ استقرار الإقليم وقطع شعرة معاوية بين أربيل والسليمانية.

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here