تحول الصحافي السعودي جمال خاشقجي (59 عامًا)، الوجه المألوف في البرامج الحوارية السياسية في الفضائيات العربية لأحد أهم المواد التي تبحث عنها محركات البحث في أعقاب اختفائه منذ دخوله إلى قنصلية بلاده في إسطنبول، وسط تضارب الروايات حول مكان وجوده.

الزخم الذي يرافق قضية خاشقجي سواء في دوائر البحث في واشنطن وأوروبا أو الشرق الأوسط ينبع من أدواره التي مارسها سواء مستشارًا لكبار أمراء آل سعود النافذين، أو صحفيًّا سعوديًّا خرج دومًا عن الهيئات التقليدية التي صبغها النظام، بالإضافة لإجادته الإنجليزية التي أتاحت له نسج علاقات واسعة مع كبار الدوائر الفكرية في واشنطن.

مستشار المملكة الذي دافع عنها في الدوائر الأمريكية

أتاحت إجادة خاشقجي للغة الإنجليزية، ودراسته للصحافة في كُبرى الجامعات الأمريكية بولاية إنديانا، النفاذ لدوائر الأمراء من آل سعود المُخول لهم التواصل مع الغرب؛ ليرى فيه تركي الفيصل، الذي كان رئيسًا للمخابرات السعودية وسفيرًا للمملكة في الولايات المتحدة وبريطانيا الوجه الذي يبحث عنه؛ فهو سعودي الجنسية، مُتقن للإنجليزية، مُثقف، عاش في أمريكا ويعي الخلفية الثقافية ومناطق النفوذ السياسي داخل واشنطن؛ ليُعينه مستشارًا له في لندن ثم واشنطن، يستعين بوجهة نظره في هندسة السياسة الخارجية للمملكة في العواصم الغربية، ويمنحه الصلاحيات ليشتبك مع الصحافة ودوائر الإعلام الأمريكي بشأن الاتهامات التي يحاصرون بها الرياض حول دعم الإرهاب.

لم تنحصر صلات خاشقجي بتركي الفيصل فقط، إذ شكلت خصوصية العلاقة التي جمعته بسعود الفيصل، وزير الخارجية الأكثر تأثيرًا في تاريخ المملكة محطة مهمة في تاريخ الصحفي السعودي؛ لينتقل ويتحرك ويتحدث عن الشأن السعودي في الداخل والخارج بصلاحيات واسعة وثقة من عميد وزراء الخارجية في العالم العربي، والذي يُشار لقدراته الواسعة في صياغة مواقف متماسكة للمملكة تجاه الغرب.

يروي خاشقجي بعضًا من ملامح شخصية الفيصل من واقع العلاقة المقربة التي جمعته به في مقابلة مع جريدة «النهار» اللبنانية: «كان أنشط من بعض العاملين في السياسة الخارجية، فكان لا يتردد في حضور أية مناسبة وإلقاء كلمة، وعندما كان يحلُّ في بلد ما كان يدبّ النشاط في السفارة السعودية». ثم يصف سياسته تجاه الشرق الأوسط من واقع لقاءاته التي جمعته معه: «لم يكن من المسؤولين الذين تعطى لهم الكلمة فيلقونها وتكون أول وآخر مشاهدة لها، لأنه كان يعلم أن كلمته تمثل المملكة».

لمعت أدوار خاشقجي باعتباره منظّرًا ومستشارًا لهذا الجيل من الأمراء، والذين منحهم الملك عبد الله صلاحيات واسعة لهندسة سياسة المملكة خارجيًّا وأمنيًا، بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001؛ إذ لعب دورًا في الرد على كُل الشكوك والاتهامات التي طالت المملكة؛ حتى خرج بكتاب يتناول فيها الأزمة بعنوان بعنوان «علاقات حرجة: السعودية بعد 11 سبتمبر»، كان عاملًا مساعدًا للخارجية السعودية في رسم ملامح سياساتها تجاه واشنطن، كما ذكرت وثائق «ويكليكس»، وراج انتشاره في الأسواق.

لم تقف حدود العلاقة بين خاشقجي عند حقبة الملك عبدالله فقط؛ بل تأسست علاقة خاصة بينه وبين الملك سلمان بن عبدالعزيز، عززها التقاطع بين الخط السياسي للمملكة الداعم لتعزيز العلاقات مع تركيا، ومد قنوات الاتصال مع الإخوان المسلمين وذلك في بداية ولاية الملك، وهو ما تقاطع مع أطروحات خاشقجي آنذاك.

دلل على خصوصية العلاقة ما ذكره خاشقجي من اتصال الملك سلمان به تليفونيًا، على ضوء متابعة الملك لمقابلته مع الإعلامي سليمان الهتلان في برنامجه على إحدى المحطات العربية. وقد ذكر خاشقجي تفاصيل تلك المُكالمة آنذاك: «الاتصال الذي تلقيته من الملك كان بسبب تعليقي حول الجدل الذي لم يحسم بعد حول الدور السعودي في أفغانستان، والذي ذكرت فيه أنه ليس للمملكة أن تعتذر عن شيء فعلته لهذه البلاد».

كما كان خاشقجي مقربًا من الملياردير والمستثمر السعودي الأمير الوليد بن طلال؛ والذي اختاره رئيسًا لمحطته التلفزيونية التي كان الممول الرئيسي لها قبل أن يتعثر المشروع في ضوء أسباب سياسية، لم تنقطع علاقة ابن طلال مع خاشقجي بعد مغادرة الأخير للبلاد، وقد طالبه الأمير قبيل اعتقاله بالعودة قائلًا: «أخي جمال، البلاد بحاجة إلى عقول نيرة مثلك، والآن الدولة السعودية الرابعة تُبنى بيد أخي محمد بن سلمان».

لاحقًا؛ تحول كتاب خاشقجي إلى أحد الكتب الممنوعة من النشر في السعودية في بداية سطوع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان باعتبار ذلك مؤشرًا على استبعاد وتنحية هذا الجيل؛ وهو المنع الذي برره خاشقجي أثناء وجوده في المملكة: «الرقيب موظف قد يكون تعليمه متوسطًا وليس ناقدًا، ولكنه يمارس على الكتاب رقابته المتأثرة بما يتلقى من أخبار وما يقرأ وما يستلم من توجيهات. وفي نهاية الأمر هي قضية اجتهادية، وهو أمر يقيد كبار الكتاب».

وبدأت تلك الحملة الساعية لتقليص نفوذ خاشقجي عبر نشر خبر في وكالة الأنباء السعودية الرسمية في ديسمبر (كانون الأول) 2015 يُفيد بأن خاشقجي ليس له علاقة بأي جهة حكومية ولا يعكس وجهة نظر حكومة المملكة العربية السعودية؛ وبعدها تتابعت الأحداث حتى انتهى الحال به للخروج من المملكة في ظروف غامضة.

من منظّر فكري إلى صحفي «درجة خامسة»

على مدار سنوات مضت؛ تحول خاشقجي إلى ضيف دائم على القنوات السعودية بوصفه مُفكرًا سعوديًّا يدافع عن سياسات المملكة، ويشرح وجهة النظر الرسمية، ويُسهب في امتداح آل سعود، دعامةً أساسية لاستقرار المملكة، وسط احتفاء واسع من جانب هذه الصحف والقنوات باعتباره مُفكرًا كبيرًا، وصحفيًّا مرموقًا في منطقة الشرق الأوسط، تستضيفه سفارات المملكة في الخارج بوصفه مُفكرًا سعوديًّا.

يظهر ذلك في نشر جريدة «الرياض» ا لسعوديةأخبارًا عن أنشطته الدائمة ومحاضراته في الخارج، بوصفه مُمثلًا لوجهة نظر السعودية في الخارج كمُشاركته في فعاليات الأيام الثقافية السعودية في اليونسكو التي تنظمها وزارة الثقافة والإعلام، وذلك في عام 2012، واستضافته الدائمة على قنوات «إم بي سي» و«روتانا» السعوديتين باعتباره محللًا دائمًا لسياسات المملكة ومُدافعًا عن الخط السياسي لها.

كما لمع اسم خاشقجي في كُبرى الصحف السعودية مثل صحيفتي «الشرق الأوسط» و«الحياة» ومجلة «المجلة»، مُراسلًا تُوفده السعودية لتغطية الحروب الكُبرى وسط شائعات تتعلق بانتمائه إلى جهاز الاستخبارات السعودي؛ وشكلت النقلة النوعية لخاشقجي في إدارة جريدة «الوطن» السعودية، لتُشكل -برأي البعض- «الذراع الإصلاحية» في الإعلام أمرًا جللًا؛ إذ دعمت المشروع «الإصلاحي» للملك عبد الله، وأدخل عدد من كُتاب الرأي من أصحاب الرؤى النقدية للتيار السلفي وأفكار ابن تيمية في صورة كسرت التقاليد الجامدة في الصحف السعودية .

وأفردت الصحف السعودية حوارات معه بوصفه مفكرًا سعوديًّا كبيرًا مثل جريدة «الشرق الأوسط» إذ وصف خاشقجي في حوار مع الجريدة عام 2005 الحكومة في بلاده بأنها تيار الأغلبية «وهو التيار المعني بحياة الناس ولقمة العيش. فهو ليس تيارًا أيديولوجيًا مشغولًا بالتنظير، كالتيار المنظّر لليبراليته، أو الآخر المنظّر لإسلاميته. هذان التياران غير معنيّين بسلّم الرواتب وتكاليف الدراسة والاستطباب وبالمسائل الحياتية».

لم يستمر هذا التأثير والاحتفاء من جانب الصحف السعودية؛ إذ بدأت أكثر من حملة إعلامية تهاجمه مع بداية عام 2015 والتي تزامنت مع صعود ولي العهد السعودي؛ ليخرج تعميم من السلطات السعودية بمنع ظهوره على القنوات ال سعوديةكـ«العربية» و«الإخبارية» السعودية، ومنع نشر مقالته الأسبوعية في صحيفة «الحياة» التي اعتاد الكتابة فيها منذ خمس سنوات.

امتد الأمر كذلك لتنظيم حملات إعلامية من جانب كتاب رأي سعوديين في صحف حكومية كمقال للكاتب السعودي قينان الغامدي في جريدة «الوطن»، يقول فيها: «أخونا جمال يزعم بأنه «مقرب من دوائر صنع القرار السعودية، وبهذه الصفة أصبح ما يتفضل به أخونا جمال بصفته واحدًا ممن وصفهم الزميل الساخر عبدالعزيز السويد بـ«المحللين الانتهازيين»، وهو في حال انتشاء، بهذا الشرف الرفيع الذي لم يحظ به صحفي سعودي قبله ممن قضوا في بلاط المهنة نصف قرن».

وتحت عنوان: «جمال خاشقجي أصبح معارضًا سعوديًا.. خوش معارضة»، تحدث الكاتب السعودي سعيد الوهابي بعد نشر خاشقجي لأول مقالاته في صحيفة «الواشنطن بوست» قائلًا :«حسنًا اليوم جمال خاشقجي بلا وظيفة وهو يقيم خارج البلاد، فلم يعد يخاف على وظيفته أو حريته، لذلك تحدث وكتب وغرد، لَبوس النضال عليك يا أبا صلاح جديد ومريب».

مضت وسائل الإعلام السعودية التي تتبع السلطات الرسمية تتعامل مع خاشقجي بمنطق الكاره لبلاده، والمتملق لأولي الأمر في السابق، وسرد أحاديث حول علاقاته المشبوهة بقطر، وتلقيه تمويلًا لما يكتبه عن المملكة من انتقادات.

كان آخر ما وصفت به المملكة خاشقجي هو ما رد به عضو مجلس الشورى السعودي السابق محمد بن عبد الله على تعليق مذيع «بي بي سي» على مكانة جمال خاشقجي باعتباره صحفيًّا مؤثرًا، حين قال له: «خاشقجي ليس مؤثرًا؛ هو صحفي درجة رابعة، وكمان صحفي درجة خامسة».

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here