معظم العالم اليوم ، السياسي وغير السياسي ، يدرك ويفهم أن الإجراءات والعقوبات الأمريكية الأخيرة على دولة إيران الإسلامية ، ظالمة وجائرة وفردية ، أي من طرف واحد فقط ، وتستحق التنديد والاستنكار والرفض الواضح ، جملة وتفصيلا ، وهي العقوبات الأشد على الإطلاق، وبحسب رأي الرئيس الأمريكي المتغطرس فإن ‘‘كل من يتعامل مع إيران لن يتمكن من التعامل مع الولايات المتحدة. “!
المشكلة التي بطعم المفارقة المريرة ليست هنا تحديدا ، بل بالمواقف المقابلة مما يجري ، تحديدا موقف العبادي الأخير من هذه العقوبات ، حيث قال بالنص الواضح “نعتبرها خطأ جوهريا واستراتيجيا وغير صحيحة لكن سنلتزم بها لحماية مصالح شعبنا. لا نتفاعل معها ولا نتعاطف معها لكن نلتزم بها”.!!
موقف غريب ومتناقض وينمّ عن لؤم وضعف ، في آن معا، فالعبادي ربما قد نسى أو تناسى موقف الجمهورية الإسلامية تجاه العراق منذ 2003 وحتى اللحظة ، موقفها من العملية السياسية ومساندتها للنظام الديمقراطي في البلد ،منذ اللحظة الأولى ، في الوقت الذي تخلى العالم العربي والإسلامي تقريبا عن ذلك ، وعن مصالحنا ومصالح شعبنا ، وعندما غزت جيوش الإرهاب وداعش الظلامي الصهيوني أراضينا وفعلت ما فعلت بالحرث والزرع والبشر ، وهددت حتى العاصمة بغداد ، كان لإيران م وقفها الواضح والداعم للحكومة والشعب بالتعاون في صد الإرهاب ودحره ؛ وبالتالي الخلاص من أكبر كارثة يمكن أن تحلّ بالعراق جراء سياسة واشنطن المتعمدة في دعم داعش والإرهاب ومحاولة إطالة أمده ، كي تحقق من خلاله أهدافا إسرائيلية صهيونية معروفة ومفهومة في المنطقة عموما والبلد على وجه الخصوص ، ولم تطلب إيران من العراق ثمنا لتضحياتها ومواقفها السياسية والعسكرية والاقتصادية ، في الوقت الذي كان العرب و(المسلمون منهم تحديدا ) يساند دواعش أمريكا والصهاينة ،من خلال الدعم المالي والعسكري واللوجستي بل وحتى الإعلامي أيضا ، حين أساؤوا للمرجعية وللحشد الشعبي المقدس وللجيش عموما وبشكل علني وسافر ، حتى جاءت لحظة النصر المؤزر التي ألجمت أفواههم وأخرستهم وعادوا صاغرين راكعين للإرادة العراقية الوطنية ، وبمؤازرة ومساندة قوية ومبدئية من دولة إيران الإسلامية التي كان لها الفضل الكبير والمعروف في هذا الانتصار الكبير.
ترى أيّ مصلحة للشعب والبلد يتحدث العبادي عنها ،اليوم ، وهل يُعتبر موقفه هذا مبدئي وأخلاقي وسياسي نزيه ، عن أي مصلحة للشعب يتحدث رئيس الحكومة المنتهية ولايته ، والشعب في هذه اللحظة يقف محتجا على خيباته وفشله وضعفه في إدارة البلد الغارق بالفساد ، فقضى وقته في خطب إنشائية ومدرسية غير قادرة على رد الفساد والظلم والاعوجاج من حوله ، ولا أظن موقفه الأخير من العقوبات الصهيونية الأمريكية إلا جزءاً من هذا الخلل السياسي الكبير ومن الضعف والفشل والانبطاح الذي يتمتع به ، و صدق الشاعر الذي قال
( إذا أنت أكرمت الكريم ملكته.. وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ) ، ويبدو لي أن العبادي هنا في تصريحه المذكور ، يتحدث عن مصالحه الشخصية كسياسي طامع بولاية قادمة ، ويعتقد أن أمريكا ستضمنها له في هذه الظروف الصعبة التي تواجهه وهو في مواجهة شعب يقف محتجا ومطالبا بالكثير مما يجهله العبادي نفسه ويعجز عن تلبيتها ، فكيف يتحدث عن مصالح شعب يريد حمايتها ، وكيف ،وهو السياسي المحسوب على حزب إسلامي ، أن يلتزم بخطأ جوهري واستراتيجي وغير صحيح _ كما يقول _ فيتعامل معه ،أليس ذلك إذعاناً وخضوعاً وتبعية صارخة للسياسة الأمريكية ؟
حقاً (شر البلية ما يضحك )!

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here