سمعت وشاهدت وطالعت الشيء الكثير عن اليابان، لكني لم أكن اعرف سر تقدم اليابان التي خرجت مدمية ومخربة بعد الحرب العالمية.

ذهلت وأنا أشاهد مدير عام شركة تويوتا في مؤتمر صحفي وهو يبكي وينتحب أمام كامرات الفضائيات، بعدما ثبت ان عطلا تقنيا في بعض أنواع السيارات، التي تنتجها تويوتا، كان السبب وراء حوادث قتلت أمريكيين.

قال: انه “يتحمل الآثار المترتبة على الخطأ ومنها التعويضات.” قدم تعازيه واعتذاره لأهالي الضحايا، ولمن تسببت تويوتا بمتاعب لهم.

أردف قائلا: “لاتهمني كثيرا المليارات التي ستخسرها الشركة في هذه القضية، الذي يهمني تضرر سمعة بلدي، وسمعة الصناعات اليابانية” وأجهش ببكاء شديد.

متى يشعر بالذنب من سرقوا بلدانهم ومن تسببوا بدمارها؟.

— —

في عالمنا العربي أظهرت الصور رئيس اكبر شركة خليجية لصناعة المنتجات البتروكيمياوية وهو يدخن (الاركيلة) بعد نزول أسهم شركته إلى الحضيض!!.

ما عرفته خلال ثلاث ساعات هي فترة الترانزيت في مطار اليابان، كانت كفيلة لتجيب على تساؤلاتي.

في صالات الانتظار وضع اليابانيون لمساتهم التقنية المتقدمة، التي يمكن للمسافر التمتع بها، كي يقولوا للمسافرين: انتم الآن في بلد العلم، والتكنلوجيا، والابتكار.

في صالة الترانزيت في المطار لفت نظري طفل صغير ذو ملامح عربية. شاهدت احد اليابانيين يتكلم معه. شاهدت ان لغة الإشارة هي السائدة فاقتربت منهم. عائلة الطفل يحملون أكياس كبيره عليها علامة منظمة عالمية تهتم باللاجئين.

استفسرت من الشخص الياباني, ما الأمر؟. عرف بنفسه قائلا: “أنا مسؤول محطة الأمم المتحدة لاستقبال اللاجئين، هذه عائلة عربية، ابنهم مريض هم بحاجة إلى مساعدة، لكن لا احد منهم يجيد اللغة الانجليزية.

سألت العائلة عن حاجتهم قالوا: “ولدنا مريض نريد الذهاب به إلى الطبيب، أو ندخله المستشفى، لان حالته خطيرة”. ترجمت له ما قالوه. قال: لايمكنني تنفيذ طلبهم لان طائرتهم ستقلع بعد اقل من ساعة وإجراءات الذهاب إلى طبيب المطار ومغادرة الصالة تأخذ وقتا طويلا، لان العيادة الطبية في مبنى آخر، بإمكاني مساعدتهم، دعهم ينتظرون.

قبل مغادرته سألني إذا كنت بحاجة إلى مساعدة، شكرته. ذهب وعاد بعد اقل من نصف ساعة وبيده أكياس فيها أدوية وعصائر وماء وحلويات وبسكويت.

قال: دعه يأخذ جرعة من هذه الأدوية، لأنني اتصلت بالطبيب ونصحني بهذه الأدوية بعدها بعشرين دقيقه يتناول العصائر الطبيعية والبسكويت وستتحسن حالته الصحية.

حاولت ان ادفع له ثمن ما جلبه لهم.

قال: “لماذا تريد ان تدفع النقود هل لأنك عربي منهم وأنا ياباني غريب عنهم”؟.

قال: “هؤلاء إخوتي في الإنسانية، ابنهم مثل ولدي. عندها دمعت عيناي وتذكرت قولا للإمام علي ع في وصيته لمالك الأشتر: (الناس صنفان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)

في لحظة مغادرته ممتعضا قدم لي علبة عصير.

لقد لقنني بتصرفه النبيل درسا بليغا، منه تعلمت ان التمسك بالقيم النبيلة للشعوب هو مفتاح النجاح، وهو عامل مساعد للتطور والرقي.

تعلمت ان تجربة شخصية، او مشاهدة، او سماع، عمرها لحظات تنفع، وقد تعادل تجربة عمر كامل.

بعد مغادرته برزت إلى الذاكرة صورا عكسية لما سمعته وشاهدته في اليابان..

 

أقمت في الاردن لفترة طويلة وفِي ذاكرتي من تلك الأيام العجاف صور مؤلمة منها .. أصيب ولدي الرضيع باختناق مفاجئ. كان تنفسه صعبا ووجه مزرقا. قصدنا المستشفى الإسلامي في عمان. مداخله وحيطانه معلق عليها آيات قرآنية واحاديث نبوية، تجعل المراجع يشعر انه في مسجد أو مرقد لولي صالح!.

اغلب العاملين والعاملات فيه من أصحاب اللحى الطويلة والبناطيل القصيرة والمحجبات.

لم تغادر بالي قط صورة الممرضة المحجبة السمينة جدا (أم كرش) ، التي تعمل في ردهة العناية المركزة والإنعاش. كانت تسد بجسدها الممتلئ باب ردهة الإنعاش، التي حولتني اليها طبيبة الطوارئ.

كانت تصر على منع دخول ولدي الردهة قبل ان اجلب وصل تأمينات من قسم المحاسبة.

قالت – دون خجل أو خوف من الله – “حتى لو فارق ولدكم الحياة لا يمكنني إدخاله الردهة ما لم تجلب وصل المحاسبة”!!.

قدمت إلى المستشفى بحالة فزع وهلع شديدين أنستني جلب محفظتي والنقود.

ذهبت الى قسم المحاسبة بعدما خلعت زوجتي أساورها وخاتمها وجهاز موبايل غالي الثمن ومفتاح سيارتي، لكنهم امتنعوا عن قبول كل ما قدمته كتأمينات وأصروا على طلب مبلغ نقدي!.

اتصلت بأحد الأصدقاء العراقيين وكان مكتبه قريبا من المستشفي. اعطاني مبلغا كبيرا من المال تركته كاملا في المحاسبة. كان ولدي مازال بيد أمه ينتظر عند باب ردهة الإنعاش وقد شارف على الموت.

ادخلوه في غرفة العناية. حقن وريدية واوكسجين،  بعد ساعة عاد تنفسه طبيعي، أخرجته من المستشفي.

كانت قيمة الفاتورة 115 دينار أردني -اقل من مائتي دولار- ، كادت ان تصل بولدي إلى حتفه.

في اليابان تذكرت علي بن ابي طالب وفِي الاردن تذكرت أبو جهل، وأبو لهب، وكل رموز الشر في تاريخ الانسانية. هذه حكايتي: ما عليكم إلا ان تحكموا بين: ملائكة رحمة دون دين، أو ينتمون إلى ديانات سماوية او وضعية، وشياطين يقولون أنهم مسلمون!.

“أحسن الى من شئت تكن أميره ، واحتج الى من شئت تكن اسيره” الامام علي ع

حسن الخفاجي

 

[email protected]

 

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here