قبل اكثر من أربعة قرون قال الكاتب الفرنسي الامير فرانسوا دلا روشفوكو:( لدينا جميعا القوة الكافية لتحمل الآم الآخرين).

السؤال: هل من احد في هذا الزمان يتحمل الآم الآخرين الذين لا يعرفهم ؟.

قبل ايام وصلتني رسالة من مهندس عراقي يقيم في امريكا، كتب فيها  مختصرا لفصول قصة هو احد ابطالها، مع القصة ارسل لي بياناته الشخصية ورقم هاتفه . قصته يفخر بها كل إنسان  ويفاخر بها  من يعتزون بعراقيتهم .بعد اتصالي به وبالشخص الاخر الذي ستعرفون قصته المأساوية. اخذت الإذن منهما لنشر القصة اعتزازا مني بالموقف الشهم للمهندس النبيل، ولكي نسهم جميعا بنشر  وتعميم القيم النبيلة، قيم الخير  ومساعدة المحتاج، بعد ان ندرت تلك القيم واصبح سوقها كاسدا.

طرحت على المهندس فكرة الاتصال بأحدى الفضائيات العراقية، لكي تغطى القصة بالصوت والصورة ويعرف بتفاصيلها اكبر عدد من العراقيين. رفض الفكرة لأسباب أهمها: انه لا يفكر بالشهرة، وان الأب المفجوع لا يريد ان يفجع  أقاربه بالعراق بخبر وفاة ابنه، والمهندس الغيور لا يريد ان يكون سببا بالتشهير بمحنة اي عراقي .  وهذا موقف نبل اخر جعلني متحمسا لنشر القصة.

القصة كما سمعتها من المهندس الغيور أرويها لكم .

رِن جرس هاتف المهندس العراقي ج، الذي يقيم في مدينة باقصى الغرب الامريكي .كان المتصل زميل دراسته في الجامعة وهو امريكي من  أصول مكسيكية. يقطن في ولاية بأقصى الشمال الامريكي . بعد تبادل التحايا قال المهندس الامريكي:ان له صديقا عراقيا شابا يعمل معه في الشركة .توفى الشاب بشكل  مفاجيء . الوفاة حدثت منذ شهرين تقريبا، وظل والده المسن وحيدا يعاني الم الفراق. معاناة الأب مضاعفه، لانه لا يتكلم اللغة الانجليزية، ولايرغب بالعيش في دار العجزة، ولا يريد العودة للعراق،لانه لا يريد ان يفارق  قبر ابنه، ولايوجد عراقيون في المدينة  التي يسكنون فيها. قريبا منهم تسكن  ثلاث عوائل عربية، كانت مساعدتهم للأب محدودة جدا، وكانوا يعتذرون عن مساعدته في اغلب الأوقات . أعطى المهندس الامريكي لزميله العراقي رقم هاتف الأب المفجوع .

اتصل  المهندس العراقي الغيور ج بالأب، الذي أنهى اغلب وقت المكالمة بالبكاء على ابنه المتوفي. اثر بكاء الأب على المهندس الغيور  ودفعه ،لان يقدم عرضا وافق  عليه الأب المفجوع بعد مكالمة أخذت وقتا طويلا وإلحاحا شديدا.  بعد يومين من المكالمة سافر  المهندس ج الى حيث يسكن الأب ، التقى صديقه الامريكي والأب المفجوع، و أنهى جميع المتعلقات بأيام، وسلم الاب مبلغ خصصته الشركة لولده.

قطع المهندس الغيور للاب تذكرة سفر على نفقته الخاصة، وجلبه ليعيش مع أسرته معززا مكرما، دون ان يتقاضى منه مليما واحدا .

السعادة التي يشعر بها المهندس الغيور ج عارمة ،لان الأب المفجوع عِوَض مكان والد المهندس المتوفي منذ عام، ولأنه كان سببا بانقاذ عراقي وخفف عنه الم مصابه، ولانهم جميعا يعيشون بسعادة .

 يلح (عمو ط) -هكذا تسمي عائلة المهندس الغيور الاب – باستمرار ويحاول دفع مبالغ بدل سكنه وطعامه، والعراقي الغيور  يرفض رفضا قاطعا ان يأخذ منه شيئا.  يتقاضى (عمو ط) راتبا تقاعديا يصرف للمسنين، يصرف اغلبه على شراء الهدايا لأولاد المهندس وزوجته ،التي يناديها ابنتي م .

قبل كتابة المقال طلبت من المهندس ان يسمح لي بالتكلم مع الاب، من خلال المكالمة  عرفت انه فضل البقاء في امريكا، لانه يريد ان يدفن بجانب ابنه بعد عمر طويل باْذن الله.

هذه القصة المؤلمة بتفاصيلها، المفرحة بنهايتها،  فيها درس وعبرة لمن يتخلون عن آبائهم وأمهاتهم ويرمونهم في دور العجزة .هي مأثرة لكل عراقي غيور، لان شعلة الغيرة والحمية العراقية عصية على الانطفاء، وان الارث الحضاري للعراقيين حاضرا معهم أينما حلوا ومهما قست عليهم الظروف ومهما فعل بهم الحكام .

لعل هذه القصة تعيد شيئا من ماء الغيرة الذي تساقط من جباه  اغلب الساسة .

(ان فعل الخير هو أفضل عبادة يمكن ان نقدمها لله) فولتير

 [email protected]

حسن الخفاجي

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here