لا شك في صحة مقولة ( ان الامور بخواتيمها ) ، ولكن في العراق حيث بلد اللامعقول واللامنطق ، نحتاج الى تعديلها الى ما يناسب الواقع السياسي العراقي ، فتصح المقولة الجديدة ايضا ان ( الامور بمقدماتها ) ، وبالرغم من انتظارنا لختام مؤتمر الكويت وما ستؤول نتائجه ، ليتسنى لنا قياس نجاحه في تحقيق متطلبات وتطلعات العراق ، الا ان نتائجه كانت جزاءً وفاقاً لمقدماته البائسة التي سوف نعرّج عليها في ختام المقال ، حيث خرج المؤتمر بمبلغ الثلاثون مليار دولار بشكل قروض واستثمارات وأئتمانات ، 

واذا استبعدنا نظرية المؤامرة رعاية للمشككين ، ومجاراةً للمتحسسين ، فأن صراع الارادات وتحالفات المصالح لا يمكن ان نعدوه ونتجاوزه في الحسابات ، ولا يمكن انكار دوره فيما لدينا من هواجس ومخاوف ، وقد اثبتت مناقشات المؤتمر وحوراته العلنية والسرية ، اثبتت ان الدعم الدولي والاقليمي المزعوم مجرد كلام ، وضرب من الاوهام والاحلام ، وحشود مصطلحات وافواه وجماجم ، وعهود ووعود بالدفع الآجل ، وقروض مع فروض وضغوط مع شروط ، سياسية واقتصادية واجتماعية ، واعتبار المؤتمر فرصة كبيرة للانفتاح الاقتصادي بالاستثمار ، والحال انه حالة من الانكشاف للابتزاز السياسي وللاختراق السيادي والاقتصادي بالاحتكار ، والاقتصار على شركات فتية وربما مفلسة بدون خبرات ولنفس الدول المساهمة ، ليكون العراق حقل تجارب وسوق حر ومفتوح على الآخر لها ، 

ويذكرنا هذا المؤتمر بما كان يسمى ( بمؤتمرات القمة الاقتصادية ) التي ابتدعها الغرب والقوى الدولية العظمى  في سبيل تمرير اجندات ، والتغطية على مشاريع سياسية بعناوين اقتصادية ومنها التطبيع مع الكيان الصهيوني ، خشية إثارة الرأي العام والجماهير ، واستخدام اساليب التدليس والتزويق والتهويل والمبالغة والضجيج الاعلامي لخلق اجواء القبول لمخرجات القمم والمؤتمرات ، وهذا المؤتمر لا يختلف كثيرا عنها فكان توقيته وبياناته ومخرجاته تعبير عن هذه الحقائق التي ستكبل الاقتصاد العراقي وتضرب على حركته قيود واغلال وتجعله اسيراً لسياسات هذه الدول ، ولنا في ذلك تجارب معاصرة لا زلنا ندفع ثمنها باهضاً، لقد كان في ذهاب المسؤولين العراقيين افواجاً مهرعين ومسرعين الى المؤتمر اهانة كبيرة لتاريخ العراق وحضارته وحاضره ومستقبله ، واعطت صورة عن مدى تفرقهم وتفردهم وحالة الضياع وانعدام الثقة التي يعيشونها ، وسعيهم الحثيث نحو المصالح والمكاسب الشخصية او الحزبية او الفئوية الضيقة  ، كما كانت استهانة بقدراتهم وطاقاتهم وامكاناتهم ، 

نحن بحاجة الى مجلس للبناء والاعمار على غرار ما كان في اواخر العهد الملكي وبدايات العهد الجمهوري ، ياخذ على عاتقه وضع خطة للتنمية ، وبرامج لانعاش الاقتصاد وتنويعه ، بعد ان يعيد حسابات الموارد والطاقات والامكانات ، وضمان الكفاءة في الادارة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وتحقيق الاستقرار السياسي والتوازن الاجتماعي ، وان يدرك الجميع ان الحلول التي تأتي من الخارج ليست مجانية ، وان الحل الذاتي هو الافضل دائما ، وبامكان المجتمع ان يستثمر الانتصارات في معاركه الوجودية ليعيد صياغة مستقبله ، ويحقق تطلعاته في بناء دولة مؤسسات عميقة بدلا من دولة افراد وجماعات وملل ونحل كل يدعي انه مستودع الحكمة الاكبر وانه البداية والنهاية وان لديه فصل الخطاب وحسن المآب ، وغير ذلك فأننا نسير او نندفع نحو الهاوية .

عبد الله الجزائري

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here