بقلم الصحافي الأميركي/ توماس فريدمان، ( منذ مجيئه، ارتكب الشاب محمد بن سلمان خمسة أخطاء قاتلة، قد تعصف بمستقبله السياسي. أول قرار مغامر إزاحة ابن عمه، محمد بن نايف، من ولاية العهد بطريقة خشنة، لم تراع مكانته، ولا موقع أسرته، ولا دوره في محاربة الإرهاب. بل فرض عليه الإقامة الإجبارية في قصره، وتم تجميد أرصدته، في محاولةٍ لتجريده من أي قوة قد تساعده على الرجوع إلى الواجهة. والرجل مستسلم الآن إلى قدره، لكن أحدا لا يمكن أن يتوقع رد فعله، إذا لاحت له فرصةٌ غدا في ظل نظام ملكي أسري محاط بعصبيتين، قبلية ودينية، جد معقدتين، وليس سهلا الانتقال بها إلى حكم فردي بدون توافق.

القرار الخاطئ الثاني الحرب على اليمن، والتسبب في كارثة إنسانية، في بلدٍ جارٍ لم تكن انقساماته، ولا مشكلاته، تبرّر هذه الحرب التي دفعت الحوثي أكثر إلى حضن الإيراني، وأعطت الإرهاب ملاذا آمنا في بلادٍ بلا حكم مركزي. لقد تصور محمد بن سلمان أن الحرب ستكون نزهة صيف، وأن طائراته وتحالفه الهش مع دول عربية وإسلامية سيجعلانه يكسب حربا خاطفة، متناسيا أن جمال عبد الناصر خسر آلاف الجنود في اليمن، وخرج يجرّ ذيول الخيبة في بلادٍ لا يمكن أن تربح فيها حربا سوى بالسياسة وليس بالسلاح، والسعودية الآن عالقة في هذا الفخٍّ.

القرار الثالث الذي وقعه محمد بن سلمان بالشراكة مع ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، حصار قطر الشامل في ما يشبه حربا لا ينقصها إلا الرصاص، وهو قرار قضى على مجلس التعاون الخليجي، الإطار الذي كانت السعودية تستفيد منه اقتصاديا وديبلوماسيا وسياسيا. فشل الحصار بعد حياد الكويت وعُمان الإيجابي، وعدم مسايرة معظم الدول العربية الرياض وأبوظبي والمنامة والقاهرة، في التوجه العدائي ضد بلد صغير، وهو ما أفرز تعاطفا دوليا مع قطر، وحصر تداعيات الحصار في المجال الاقتصادي.

القرار الرابع الذي أثر على صورة السعودية، وسيؤثر على مستقبل الاستثمار فيها، هو القبض على مئات الأغنياء، فِي مقدمتهم أمراء سعوديون، وإيداعهم في سجن “الريتز كارلتون”، ومحاولة تصفيتهم ماليا، بدفعهم إلى التنازل عن جزء من ثرواتهم، بدعوى محاربة الفساد في بلادٍ لا تفرّق بين المالين، العام والخاص، حيث لا يعتبر تضارب المصالح جريمةً في السعودية. ومعلوم أن محاربة الفساد بوسائل سلطوية وغير قانونية، لا تنتج الشفافية، ولا الحكامة، بل الخوف، فالرأسمال جبان كما يعرف نفسه، ولن يشعر بالأمان داخل السعودية. 

الخطأ الخامس الذي ارتكبه محمد بن سلمان هو احتجاز رئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري، في الرياض، والضغط عليه لإجباره على الاستقالة من الحكومة، وإنهاء عمر الوفاق الذي نسجه تيار المستقبل وحلفاؤه مع حزب الله. وقد أعطت طريقة إكراه الحريري على الاستقالة مفعولا عكسيا، حيث لم يقبل سنّة لبنان، قبل غيرهم، إهانة الحريري والتدخل السافر في شؤون بلدهم، وتهديد سلمه الهشّ، ما دفع فرنسا إلى التدخل وبقوة لإخراج الحريري من الورطة التي وضعه فيها محمد بن سلمان، ومحاولة إصلاح ما أفسدته الرياض التي كانت تريد الردّ على استهداف مطارها بصاروخ بالستي قادم من اليمن، بإيعاز إيراني، بمحاولة ضرب حليف طهران في لبنان حزب الله، وعزله عن باقي مكونات لبنان، استعدادا لضربه. ما الذي جعل محمد بن سلمان ينجرّ إلى هذه الأخطاء، وبسهولةٍ فاجأت أصدقاء المملكة قبل غيرهم؟

هناك قلة تجربة لدى هذا الشاب الذي يسعى إلى كسب شعبية متعجلة في الشارع السعودي. وضغط الوقت عليه، وهو يسابق الزمن لتثبيت أسس حكمه في حياة والده، وفِي ولاية الرئيس الأميركي، دونالد ترامب القصيرة. والاستفراد بالقرار، وعدم توسيع قاعدة الاستشارة في نظام حكم فردي وتقليدي. واستسهال أسلوب إحداث الصدمة في التغيير من دون حسابات دقيقة.

وخامسا، وهذا هو الأخطر، التأييد غير المشروط من تاجر العقارات في البيت الأبيض للشاب الصاعد، في مقابل المال الذي حصل وسيحصل عليه. هذه العوامل، وأخرى غيرها، وضعت العربية السعودية على خطوط نارٍ مفتوحةٍ على كل الجبهات، الداخلية والخارجية، وجعلت الأمير يقود بلاده بسرعةٍ لا تحتملها عربة المملكة.)

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here