شهدت منطقة “مايفير” الغنية غربي العاصمة البريطانية لندن،في منتصف تموز-يوليو الماضي، اجتماعا سريا استمر يومين. الموضوع كان ما يعرف بالحركة وهي تجمع احزاب اليمين المتطرف او الاحزاب القومية في اوروبا. محور الاجتماع كان كبير مستشاري دونالد ترامب السابق ستيف بانون.

من الحاضرين في الاجتماع كان “ميشيل مودريكامن” السياسي البلجيكي واهم حلفاء بانون في تحركه. اضافة الى “فيليب دي ونتر” زعيم حزب “فلامس بيلانغ” البلجيكي اليميني و”كينت اكيروث” القيادي في الحزب السويدي الديمقراطي.
لكن الملفت في حضور اجتماع بانون كان الزعيم السابق لحزب “يوكيب” البريطاني “نايجل فاراج” والقيادي في حزب الجبهة الوطنية الفرنسي “جيرومي ريفيير”.

الاجتماع سعى لتشكيل محور موحد على مساحة اوروبا لاحزاب اليمين المتطرف قبل الانتخبات التشريعية الاوروبية ايار-مايو العام المقبل اي بعد نحو خمسة اشهر من الان.
وهنا يمكن الانطلاق في بحث العلاقة بين هذا الاجتماع والاحداث التي تشهدها اوروبا وتحديدا فرنسا وبريطانيا في الاسابيع الاخيرة.

اسس نظرية بانون الشعبوية والعنصرية تتضارب مع ما يعرف بالنظام الليبرالي الغربي الذي يقوم بالنظرية على الحرية الاجتماعية وحرية التعبير والحرية الدينية والسوق الحرة والاهم مبدأ الاممية. (يجب التاكيد على ان بانون ومعه ترامب لا يعدان من مؤسسي النظرية الشعبوية بل هما احد مظاهرها الحديثة)

تعرض تحرك بانون لضربة قوية مع اعتبار تسع من ثلاث عشرة دولة ضمن اجندته، نشاطاته محظورة، ما اضعف زخم المساعي لتوحيد الاحزاب اليمينية المتطرفة في اوروبا. فبغض النظر عن بعض مكامن القوة التي تدعم بانون، يواجه فيكتور اوربان رئيس الوزراء المجري اليميني والداعم لبانون احتجاجات واسعة داخل البلاد. كما ان الحزب السويدي الديمقراطي نأى بنفسه عن نشاطات كينت ايكورث المقرب من بانون والحاضر بقوة في دائرة نفوذ اوربان.

ولأن مشروع بانون سيكلفه اموالا تقدر بخمسة عشر مليون دولار بحلول الانتخابات التشريعية الاوروبية، لا بد من تفادي سقوط هذا المشروع، خاصة وان العيون الاوروبية بدأت تتفتح عليه مع انتقاد لاذع من رئيس البرلمان الاوروبي انطونيو تيجاني الذي توجه لبانون بالقول ” عد الى منزلك.. اذا اردت ان تكون سائحا في اوروبا تصرف كسائح.. لكن من الافضل لك ان تبقى هادئا”.. فيما وصفه النائب في البرلمان الاوروبي انطونيو لوبيز استوريز بالمتطرف الخطر والايديولوجي العار الذي يحاول تدمير اوروبا بالقومية الرخيصة.

في المقابل كان على بانون البحث عن طريقة لمواجهة قادة الاتحاد الاوروبي وانقاذ مشروعه، ويمكن القول هنا ان الواقع غير الصحي لنظام الليبرالي الاوروبي اعطى بانون فرصة لاستغلال هذه الثغرة لتثبيت واقع جديد على الارض.

فالدول الاوروبية الابرز في النظام الليبرالي الغربي اي المانيا وفرنسا تعانيان من تحديات سياسية صعبة، ان كان ازمة المستشارة الالمانية انجيلا ميركل وخضوعها لارادة الاحزاب اليمينية في ائتلافها الحكومي، او ازمة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مع احتجاجات “السترات الصفر” والتي تؤكد التقارير انه لا يمكن استبعاد العوامل الخارجية في تحريكها ضد حكومة ادوار فيليب. اضافة لذلك تبرز الاحتجاجات تحت عنوان السترات الصفر في بلجيكا وهولندا في مسعى لقلب الطاولة على حلفاء باريس وبرلين.. خاصة في بروكسل التي تمتلك رمزية كبرى كونها عاصمة الاتحاد الاوروبي اضافة الى انها عاصمة بلجيكا.

اما بريطانيا فالعمل فيها يجري لتعميق ازمة غياب الثقة مع الاتحاد الاوروبي بما يفتح المجال امام بروز الاحزاب اليمينية في ظل تخبط حزب تيريزا ماي وعدم اظهار حزب العمال ما يؤهله لتسلم ارث بركسيت وانقاذ البلاد من تبعاته.

كل ذلك يشير الى ان المواجهة ما زالت حاضرة على الساحة الاوروبية، في ظل عدم اطمئنان فرنسا لمصير المرحلة المقبلة بالنسبة للسترات الصفر والمصير غير الواضح في الساحة الالمانية بعد مغادرة ميركل اضافة الى امتحان الانتخابات التشريعية الاوروبية..

في المقابل يبدو بانون وفريقه اليميني الاوروبي مصممين على الذهاب حتى الاخير في المعركة، لتحقيق مشروعه الذي اعرب صراحة عن عنوانه الابرز وهو ان “قوميي اليمين المتطرف هم النخبة الجديدة في اوروبا”.

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here