– إن الأحداث التي حصلت في منطقة الشرق الأوسط خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة، تشير إلى أن هذه المنطقة فقدت الكثير من قواعدها الثابتة والمستقرة واحداً تلو الآخر وأصبحت على وشك الانهيار ويرجع السبب الرئيس في ذلك، إلى الدور الذي تلعبه القوى العظمى في إعادة هيكلته وبنائه دون مراعاة الأسُس العرقية والدينية والتاريخية لسكان هذه المناطق.

وفي هذا السياق، ركّزت فرنسا والمملكة المتحدة، بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، على مصالحهما القصيرة الأجل في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى وقامتا بإعادة هيكلة الشرق الأوسط الذي نراه في وقتنا الحالي ولقد رافق تلك العملية الكثير من التوترات منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ولهذا فلقد شهدت هذه المنطقة في تلك الفترة الزمنية الكثير من النزاعات والانقلابات وبهذا لم تستطع عوامل التغيير المحدودة التي كانت موجودة في هذه المنطقة، من إيجاد أي تغيير في أسس معاهدة “سايكس بيكو”. 

غير أن نقطة التحول في هذا الصدد كانت تتمثل في نهاية الحرب الباردة وانهيار نظام القطبية الثنائية وتهيئة الظروف الملائمة لتفعيل العوائق والنزعات العرقية والدينية وإحياء الهوية عند سكان الشرق الأوسط، فتلك العوائق والنزعات العرقية تتمثل في وقتنا الحاضر في رغبة الأكراد في العراق وسوريا بالاستقلال وبالحكم الذاتي وإذا ما تحققت تلك الرغبات، فإنه من الممكن أن يحدث تغيير جذري في النظام الحالي للشرق الأوسط وهذا الأمر سيكون له تأثير بالغ على جميع بلدان المنطقة وسيكون له الكثير من العواقب الوخيمة.

وفي هذا السياق، ظهر اتجاه آخر في حقبة ما بعد الحرب الباردة تمثّل في ظهور جماعات متطرفة وإرهابية وتكفيرية تسلّلت إلى منطقة الشرق الأوسط بمساعدة الغرب وثورة المعلومات والتكنولوجيا التي حصلت في العالم وهنا ينبغي اعتبار هذه المجموعات الإرهابية واحدة من عوامل الانهيار الرئيسة التي ستدمّر معاهدة “سايكس بيكو”.

وفي سياق متصل يمكن الإشارة إلى الدور الرئيس الذي تلعبه بعض القوى العظمى خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة والتي أسهمت في خلق الكثير من الأزمات وعملت على تسريع عملية انهيار معاهدة “سايكس بيكو” وهنا يمكن أن نذكر دور الولايات المتحدة في حرب الخليج الثانية والتي كانت تهدف إلى استعادة الاستقرار والحفاظ على الأنظمة السابقة في تلك المنطقة ولكنها للأسف الشديد تسببت في تسريع عملية تفعيل المشاحنات العرقية والدينية في العراق والتي انتشرت بعد ذلك في باقي دول المنطقة ولقد قامت الولايات المتحدة في هذه الحرب، بإنشاء “منطقة حظر جوي” لتمهيد الطريق أمام انفصال الأكراد وإنشاء دولة خاصة بهم وتفكك العراق إلى عدة أقاليم وتهيئة الظروف المناسبة للجماعات الإرهابية والتكفيرية و”الجهادية” وهنا يمكن القول بأن هذه الأحداث قد تتسبب في انهيار دولة العراق الموحدة.

وترجع أهمية القضية الكردية في العراق وسوريا، فضلاً عن الدور الذي تلعبه الجماعات الإرهابية في العراق، إلى أن هذه المنطقة تعتبر مفتاح التغيير المستقبلي في منطقة الشرق الأوسط ومن هذا المنطلق، فمن المرجح أن تبدأ عملية انهيار معاهدة “سايكس بيكو” من العراق وبعد ذلك سوف تنتقل إلى البلدان الأخرى ويرجع سبب ذلك الأمر إلى الهوية العرقية والتاريخية المتميزة للأكراد وتدخل الكثير من دول المنطقة في التطورات والأحداث التي شهدها العراق خلال الفترة السابقة وما زال يشهدها إلى وقتنا الحاضر.

 في الواقع إن الأكراد لديهم هوية عرقية قوية ولديهم عاداتهم وتقاليدهم وأساطيرهم الخاصة بهم وهم لا يرون بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات مع باقي مواطني العراق وتذكر العديد من المصادر التاريخية بأن عملية إلحاق الأكراد بدولة العراق، كانت أحد وعود بريطانيا السيئة للأقلية الكردية التي كانت موجودة في تلك المنطقة بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وهكذا فإن عملية تشكيل دولة العراق وإلحاق الأكراد بها، كانتا إحدى السياسات التي قامت بهما إنجلترا وفرنسا والتي عارضها الأكراد في ذلك الوقت ولهذا فلقد سعى الأكراد منذ تلك الحقبة الزمنية إلى تغيير أوضاعهم والاستقلال عن العراق ولكنهم لم يستطيعوا القيام بشيء حتى نهاية عام 1991.

 وبعد عام 1991 بدأت مطالبهم بالتحقق شيئاً فشيئاً وبدأت الأحداث السياسية تتجه في مصلحتهم ولقد ساعدت الأحداث التي وقعت في العراق منذ إنشاء منطقة حظر جوي فوق منطقة كردستان العراق في عام 1991 وتلك الأحداث التي تلت احتلال العراق في عام 2003 من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وصياغة الدستور الجديد وظهور تنظيم “داعش” الإرهابي في الكثير من مناطق العراق، في خلق فرص تاريخية للأكراد ساعدتهم على اتخاذ خطوات أساسية لتحقيق حلمهم بالاستقلال وساهمت أيضاً بتوجيه ضربة موجعة إلى معاهدة “سايكس بيكو”. وفي هذا الصدد، كانت الخطوة الأولى هي القبول بالحكم الذاتي الكردي وإعطاء مهلة نهائية للحكومة العراقية لتحديد مصير المناطق المتنازع عليها وهذه الخطوة كانت بمثابة إعطاء الضوء الأخضر لأمريكا للعمل على إنشاء كردستان مستقل.

 والخطوة الثانية هي ظهور تنظيم “داعش” الإرهابي، الذي عمل على خلق المزيد من المسافات بين الأقليات العراقية وهذا الأمر ساعد الأكراد على أن يصبحوا أكثر وطنية وأكثر قوة. ففي الواقع، لم يقتصر دور تنظيم “داعش” الإرهابي على زيادة المسافات بين الأكراد والشيعة والسنة، بل إنه زاد من حدة الخلافات بين الأقليات العراقية الأخرى. ولقد حاول الأكراد رفع هويتهم العرقية إلى مستوى الهوية الوطنية عند محاربتهم لتنظيم “داعش” الإرهابي وذلك من أجل الحصول على الدعم المالي واللوجستي والتعليمي من الدول الغربية ومن أجل تقديم أنفسهم كحليف غربي حقيقي ووحيد في مكافحة الإرهاب.

ونتيجة لكل تلك الأحداث، فلقد اقتنع الزعماء الأكراد في العراق بإجراء استفتاء للاستقلال، كانت نتيجته أنهم فقدوا الكثير من المناطق المتنازع عليها والتي كانت تحت سيطرتهم، بالإضافة إلى أنهم أصبحوا في عزلة تامة داخل العراق. ومع ذلك، لا ينبغي الافتراض بأن هذه الأحداث لن يكون لها آثار طويلة الأجل، خاصة وأن الأكراد السوريين يعانون من الوضع نفسه. وفي هذا الصدد، فلقد تمكّن الأكراد السوريون من الاستفادة من تلك الأوضاع المتأزمة في المنطقة، للمطالبة باستقلالهم عن سوريا وهذا الأمر أجبر تركيا على الرّد والتدخل عسكرياً في شمال سوريا ومن غير المرجّح أن يكون لهذا التدخل التركي أي نتائج إيجابية على هذا البلد ومن المحتمل أن يزيد هذا التدخل من الفجوة بين الأكراد والأتراك في تركيا وأن يقوّي الهوية الوطنية الكردية ويجعلها أكثر تماسكاً في العراق وسوريا وتركيا.

 

 وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن النزعة الانفصالية لدى الأكراد، ستستمر في المستقبل وهذا الأمر سيضع الشرق الأوسط على حافة التغيرات الجذرية والهيكلية أكثر من ذي قبل ومن الممكن أن تلك الأحداث والأزمات التي قد تبدأ من العراق أو سوريا، قد تمتد إلى بلدان أخرى في المنطقة، بما في ذلك تركيا التي سوف تتضرّر كثيراً نظراً لوجود ما يقرب من 18 مليون كردي يعيشون في تركيا. وهنا يمكن القول بأن عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، سيمهد الطريق لخلق الكثير من الجماعات الإرهابية والجهادية والتكفيرية وستتمكن الجماعات الإرهابية القديمة من الاتحاد مع المجموعات الجديدة وهذا الأمر سيزيد من قوتهم ووجودهم في المنطقة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن منطقة الشرق الأوسط ستواجه الكثير من الأزمات الخطيرة وذلك إذا ما امتدت تلك الأزمة ووصلت إلى تركيا، التي تُشكل، جنباً إلى جنب مع إيران والسعودية، الركائز الأساسية الثلاث للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here