تاريخ طويل من العلاقات السرية بين العديد من الأنظمة العربية والكيان الإسرائيلي، غير أنّ الإمارات فضّلت أن تكون المُبادر الأول لإخراج هذا التطبيع من العتمة إلى النور، واليوم بدأت الخطوات نحو التطبيع الكامل للعلاقات بين تلك الأنظمة والكيان تأخذ مساراً غير عادي ومتسارع، فعلى الرغم من رفض إسرائيل المستمر لتنفيذ شروط مبادرة السلام العربية (بيروت – 2002)، وباتت آثار هذا التطبيع تظهر على المستويات الاقتصادية والتجارية والأمنية والعسكرية والثقافية وحتى الرياضية، وأصبح الحديث عن مُبادرة عربية أو صف عربي واحد في مواجهة الكيان مثيراً للضحك بالنسبة لتلك الأنظمة الوظيفية التي تُنفذ ما تُأمر به.

التطبيع بحجة كورونا

اليوم؛ أكثر الأنظمة فرحاً بانتشار فايروس كورونا رُبّما يكون نظام الإمارات، التي وجدت في هذه الجائحة أفضل الفرص لإعلان تطبيعها العلني مع الكيان الإسرائيلي، ضاربةً بعرض الحائط بكل تصريحاتها أو تأكيداتها السابقة من أنّ تطبيع العلاقات مع الكيان الإسرائيلي لن يمضِ إلّا بتوافقٍ عربي، ومن جهة أخرى تأكيدها بأنّ سير الكيان قُدماً في مشاريع الضم سوف يعرقل تطبيع العلاقات مع الكيان الإسرائيلي، وها هي اليوم تدخل من البوابة الطبيّة لإعلان تطبيعها مع الكيان.

رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان أكثر قوّة ودقّة في توصيف العلاقة مع النظام الإماراتي، إذ أكد نتنياهو على أنّ شراكة مع الإمارات العربية المتحدة للتعاون في مكافحة الفيروس التاجي، تُعتبر أحدث تقدم في جهود الكيان لتطبيع العلاقات مع الدول العربية!.

استغلال جائحة كورونا من قبل الإمارات للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي لم يبدأ في الأمس أو بشراكة علميّة بين شركات الكيان والإمارات، إنّما بدأ في وقت سابق من هذا الشهر، حيث قامت شركة الاتحاد للطيران -الناقل الإماراتي- بتسيير رحلة محملة بالإمدادات الطبية ذات الصلة بفايروس كورونا كهبة مُقدّمة للفلسطينيين، غير أنّ هذه الرحلة وعلى عكس جميع الرحالات التي كانت تقوم بها الشركة والتي كانت تهبط بمطار عمّان الدولي في الأردن، قامت بهبوط نادر في عاصمة الكيان الإسرائيلي تل أبيب.

وبعد أن فهم الفلسطينيين ما ترمي إليه الإمارات من هذه الرحلة؛ رفضوا المساعدة التي قدّمتها الإمارات، وأكّد الفلسطينيون أنّ الإمارات نسّقت مع الكيان الإسرائيلي وليس مع السلطة الفلسطينية.

من السر إلى العلن

وضع بنيامين نتنياهو النظام الإماراتي في موقف لا يُحسد عليه بعد أن أفشى خطّة التقارب مع الإمارات، الأمر الذي دفع وكالة الأنباء الإماراتية للخروج وبعد ساعاتٍ قليلة لتأكيد ما أفشاه نتنياهو، ولم يتضح الوقت الدقيق الذي عُقد فيه اتفاق التعاون بين النظام الإماراتي والكيان الإسرائيلي قبل افتضاح أمره وخروجه للضوء.

العلاقات الاستخباراتية والأمنية بين النظام الإماراتي والكيان الإسرائيلي يعود تاريخها إلى عدّة سنوات، ففي عام 2007، وقّعت وزارة البنية التحتية في دولة الإمارات، عقداً بقيمة 816 مليون دولار مع شركة AGT الدولية، وهي شركة سويسرية مملوكة لرجل الأعمال الصهيوني ماتي كوخافي، وذلك لشراء معدات مراقبة “للأصول المهمة مثل حقول النفط والمواقع الاستراتيجية” في دولة الإمارات.

قبل أسبوعين فقط؛ كتب سفير الإمارات لدى أمريكا، يوسف العتيبة، مقالة في صحيفة عبرية حذّر فيها الكيان الإسرائيلي وبشكلٍ مباشر من أن تطبيق مشروع الضم وعلى الفور، سيحوّل تطلعات الكيان الإسرائيلي الخاصة بتحسين الأمن إلى سراب، كما أنّ العلاقات الاقتصادية والثقافية مع العالم العربي والإمارات بالتحديد ستتأثر من خلال مشروع الضّم هذا.

إذن.. فإنّ تحذيريات العٌتيبة لم تكن أكثر من ذرٌّ للرماد في العيون، أراد به القول إنّ نظامه لن يُطبّع مع الكيان الإسرائيلي طالما أنّه يُفكر بضم المستوطنات الإسرائيلية وغور الأردن، لكن اليوم وبما أنّ فايروس كورونا يضرب العالم؛ فلا ضير من بعض التطبيع الذي يخدم العلم والعالم، ليكون هذا التطبيع بذرةً للتطبيع الشامل، ليخرج بعد تلك المقالة وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش ليؤكد أنّ بلاده ستُقيم علاقات مع الكيان الإسرائيلي على الرغم من الخلاف السياسي!.

وفي النهاية.. فإنّ الشراكة بين الإمارات والكيان الإسرائيلي تعتبر واحدة من أكبر المكاسب السياسية والمفاجئة ربّما لرئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو، الذي يعيش حالة العزلة بعد إصراره على تنفيذ مشاريع الضم”، كما تأتي هذه الخطوة بالنسبة له كفاتحة علاقات سعى لها طويلاً لبناء علاقات مع بعض الدول العربية وهي التي كانت ترفض تطبيع العلاقات مع الكيان دون إحراز تقدم في اتفاقية للسلام مع الفلسطينيين.
new_alwght

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here