عليّ عبّاس فاضل
الحمد لله رب العالمين والصَّلَاة والسَّلَام على خير خلق الله أجمعين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد…
عُرف عن أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) زهده وتواضعه، حتى شهد بذلك أنصاره وأعداؤه، إذ عاش حياته الكريمة مبتعدًا عن ملذات الدنيا ومغرياتها، مع ما بين يديه من تلك الملذات والمغريات، فقد كان بيده سلطان الدولة الإسلامية كلها وبيت مالها، إلا أنه لم يميز نفسه عن أي مواطن فيها، بل على العكس كان يعيش معيشة أفقر من فيها يقول (عليه السَّلَام): ولَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا
الْعَسَلِ – ولُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ ونَسَائِجِ هَذَا الْقَزِّ – ولَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ – ويَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الأَطْعِمَةِ – ولَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لَا طَمَعَ لَه فِي الْقُرْصِ – ولَا عَهْدَ لَه بِالشِّبَعِ – أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى – وأَكْبَادٌ حَرَّى أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ –
وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَة*** وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ
أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، ولَا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِه الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ – فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ)([1]).
فأمير المؤمنين (عليه السَّلَام) لا يسمح ان يطلق عليه هذا اللقب ولا يشارك الرعية في ما يتعرضون إليه من جوع أو عطش وغيرها، بل لا بد له أن يكون أولهم في ذلك، ومما يمر علينا من نفحات كلماته (عليه السَّلَام) قوله: (وَاللهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا، وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ: “أَلاَ تَنْبِذُهَا عَنْكَ؟” فَقُلْتُ: “اغْرُبْ عَنِّي، فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى)([2]).
يظهر في هذا النص أنَّ الإمام (عليه السلام) يتحدث عن نفسه وحاله, ويتمثل ذلك في الضمائر الواردة في قوله ( رقعتُ, مدرعتي, استحييتُ, لي, عنكَ, عني) فهذه تشير كلها إلى المتكلم ما يعني أنَّه محور الحديث, بعض آخر يشير إلى المخاطب وهي في قوله (راقِعها, قال, أغرب) وهي تشير إلى المخاطب الحاضر المُتَكَلَّم معه مباشرة أي أنَّ هناك حوارًا دار بين المتكلم والمخاطب.
والحديث في هذا النص عن مِدرعة الإمام (عليه السَّلَام) والمِدرعة هي جبة من صوف قال الخليل: (الدُّرّاعَةُ ضربٌ من الثّياب، وهو جُبَّةٌ مشقوقة المقدّم. والمِدْرَعَةُ ضربٌ آخرُ، لا يكون إلا من الصوف… وصُفَّةُ الرَّحْلَ إذا بدا منها رؤوسُ الواسطةِ والآخرة تُسمَّى مِدْرَعة. ادّرع الرّجُلُ، أي: لبس هذه الغواشي)([3]), هذا الثوب الذي كان يرتديه أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) وهو صاحب أعلى منصب في الدولة الإسلامية آنذاك، وبيده بيت المال، إضافة لما يملك هو، فيتحدث عن الوضع الذي كان يعيشه الإمام (عليه السَّلَام), والحالة التي كان عليها, وهو الشخص الثاني في الإسلام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ وما يلفت النظر هو سؤال ذلك الشخص الذي طلب من الإمام (عليه السَّلَام) أن يترك ذلك الثوب المرقع كثيرا، فقال: (أَلاَ تَنْبِذُهَا عَنْكَ؟)، فكان جواب الإمام (عليه السَّلَام) فيه نوع من التعنيف والزجر، بقوله: (فَقُلْتُ: اغْرُبْ عَنِّي، فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى)؛ فجواب الإمام (عليه السلام)؛ لأنّه لا علاقة له بالسؤال في الظاهر، فما علاقة الصباح وحمد القوم لمسيرهم ليلا، بسؤال السائل عن استبدال الثوب فالسائل سأل عن المدرعة وقال الا تنبذها والإمام (عليه السَّلَام) أجاب: فعند الصباح يحمد القوم السرى وهو إشارة الى زهده (عليه السَّلَام) وعندم اهتمامه لملذات الدنيا، وقوله: (فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى وهو مثل يضرب لمن احتمل المشقّة عاجلا لينال الرّاحة آجلا)([4]).
قال البحراني: (أصله أنّ القوم يسيرون في الليل فيحمدون عاقبة ذلك بقرب المنزل إذا أصبحوا، ومطابقة الصّباح لمفارقة النّفس البدن أو لإعراضها عنه واتّصالها بالملأ الأعلى بسبب تلك الرياضة الكاملة وإشراق أنوار العالم العلويّ عليها الَّتي عنده تحمد عواقب الصّبر على مكاره الدنيا وترك لذّاتها ومعاناة شدائدها مطابقة ظاهرة واقعة موقعها)([5])، لذا يريد أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) من قوله ذاك أنه ترك تلك الملذات والطيبات لينال الراحة في العالم الآخر العالم الذي فيه الخلود في الجنان التي وعد الله بها المتقين.
وختامًا: نسأل الله العليّ القدير أن يجعلنا مع مُحَمَّد وآله في الدّنيا والآخرة، إنّه سميع الدّعاء ومجيبه.
الهوامش:
([1])نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصَّالح: 417-418.
([2]) نهج البلاغة، تحقيق: قيس بهجت العطّار: 359.
([3]) العين, (درع): 2/35.
([4]) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، حبيب الله الخوئي: 9/ 391.
([5]) شرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني: 3/ 288.

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here