سليم الحسني

في موسوعته الكبيرة (معارف الرجال) يروي المؤلف محمد حرز الدين، حادثة كان شاهداً عليها في مسجد الكوفة، حين جاء مجموعة من الأشخاص الى المرجع الديني الكبير الشيخ حسين الخليلي أوائل القرن العشرين، واستفتوه في مسألة شرعية حول من ينطبق عليه وصف (المفسد في الأرض)، وقد كتب لهم الشيخ الخليلي الجواب، فانصرفوا مسرعين.

أخبر أحد الحاضرين الشيخ الخليلي بان هؤلاء سيستخدمون الفتوى بطريقة مغرضة في الأجواء الساخنة آنذاك حول الصراع المحتدم بين أنصار الحركة الدستورية وخصومها. فطلب الشيخ أن يلحقوا بهم ويسترجعوا الورقة ليمزقها، لكنهم لم يعثروا عليهم، وانتهى الأمر.

عاش المرجع الخليلي عدة أيام في غمّ شديد، ثم توفي رحمه الله من جراء هذه الحادثة.

…توفي الشيخ حسين الخليلي متأثراً بالواقعة، لأنه يعرف معنى الفتوى ومسؤوليتها الشرعية الكبرى، فلم يتحمل ما وقع فيه، مع أن رأيه كان صحيحاً، لكن خشيته من استغلالها بطريق غير صحيح هو الذي جعله يمرض ويتوفى حزناً وغماً.

لكن الفتوى في أيامنا هذه صارت لعبة سهلة، يمارسها كل من يحلو له الافتاء، من دون أن يحصل صاحبها على المستوى العلمي المطلوب الذي يؤهله للفتيا، وهي جرأة على الله ورسوله صلى الله عليه وآله.

في سؤال وجهه أحد اتباع مقتدى، حول التظاهر في رمضان، أجاب مقتدى بأن التظاهر في رمضان (عبادة)، مع أن من اركان العبادة ان تكون قربة الى الله تعالى، ولم يتضمن السؤال ولا الجواب هذه الإشارة. وأكثر ما يتحرج به العلماء في فتيا تحديد العبادة، خوفاً من الوقوع في (البدع). لكن مقتدى استحسن السؤال وشكر السائل.

وفي سؤال من أحدهم عن حرمة أكل (الصاص) حسب فتوى الشهيد محمد الصدر، أفتى مقتدى بأن (اجتماع الحلاوة والحموضة ينتج بكتريا نجسة)، في جواب يُشكل طعناً بالفقه الشيعي من الناحيتين العلمية والتشريعية، ويكشف ايضاَ أن مقتدى لم يطلع على فتاوى والده الشهيد محمد الصدر.

وفي مورد آخر يجيب مقتدى على احد الاستفتاءات بقوله (بسمه تعالى … خرط) وهو استهانة بقيمة الفتوى وآدابها، بل استهانة بالله سبحانه، لأن الكلام بعد الاستعانة بالله تعالى يجب ان يكون ملتزماً بأدب الكلام، وعادة يتحرج العلماء عند كتابة الكلمات الأولى بعد عبارة (بسمه تعالى) احتراماً وتأدباً بعد الاستعانة بالله تعالى.

في الفقه الشيعي لا يُفتي إلا الحاصل على رتبة الاجتهاد، أما وكلاء المراجع فهم ينقلون فتوى المرجع، ولا يختم على الاستفتاء إلا المرجع نفسه، لكن مقتدى تجاوز ذلك كله في تجاوز فاضح على الله ورسوله.

تشجع السفارات والجهات الأجنبية مثل هذا الاتجاه بكل الوسائل، لأنها أدركت أن قوة الكيان الشيعي في مرجعيته الدينية، وأن السبيل لإضعافه وتفتيته هو في دعم الأشخاص الذين يمتلكون طموحاً شخصياً، ويزجون أنفسهم في مجال الفتيا والمواقع الدينية.

 

في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت السفارتان البريطانية والروسية، تشجع أي شخص معمم أو من عائلة دينية يضفي على نفسه صفة القداسة، ومن هؤلاء الأشخاص برزت البابية والبهائية، وقبل ذلك نشأت الكثير من الملل والنحل، والجهل الشعبي هو الوسط الأنسب لإنتشارها.

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here