تشهد الحدود الجنوبيّة لفلسطين المحتلّة أجواء تصعيد غير مسبوقة بعد الصاروخ الذي أطلق من القطاع إلى شمال شرق تل أبيب متسبّباً بإصابة سبعة إسرائيليين.

الصاروخ الذي حمل اسم القائد العسكري لحركة حماس الشهيد أحمد الجعبري، وفق القناة 13 الإسرائيلية، قلب الطاولة رأساً على عقب في تل أبيب بين متأهب وخائف وشامت بنتنياهو. ففي حين أعلن حزب اليمين الجديد الإسرائيلي أن هذا التطور يؤكد هزيمة نتنياهو في مواجهة حماس، اتهمت أوساط في المعارضة الإسرائيلية نتنياهو باتباع سياسة فاشلة ومضطربة وضعيفة تجاه حماس.

بعيداً عن الردّ السياسي الشامت، فإن الردّ الإسرائيلي العسكري الذي بدأ باستدعاء قوات الاحتياط وإعادة الانتشار على طول السياج الأمني مع قطاع غزة، وصل إلى مرحلة استهداف مواقع عسكريّة تابعة لحماس في القطاع، في حين أن فصل المقاومة وعد بردّ قاس على أيّ اعتداء إسرائيلي.

الخطوات الإسرائيلية أشبه ما تكون بتحضير لتصعيد محتمل ضد القطاع، وفق محلّلين إسرائيليين، إلا أن هناك جملة من الأمور قد تحور دون التصعيد المفتوح واقتصار الردّ على ضربات محدودة تحفظ ماء وجه نتنياهو في خوض الانتخابات من جهة، ولا تستفز المقاومة الفلسطينية للتصعيدأكثر من جهة أخرى.

الضربة الجديدة على تل أبيب، وكما الضربة السابقة، شكّلت مفاجئة من العيار الثقيل، لاسيّما أن الصاروخ قد قطع مسافة تفوق الـ100 كلم ليستهدف منطقة محصّنة بالقبّة الحديدية وفق المحلل العسكري للموقع الإلكتروني لصحيفة “يديعوت أحرونوت” رون بن يشاي.

ورغم أن الصاروخ قد سبّب أضرار جسيمة لقوة الردع للجيش الإسرائيلي، لكن مفاعيله لم تتوقّف عند هذا الحدّ بل تعدّت تل أبيب لتصل إلى واشنطن حيث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. نتنياهو الذي أراد من هذه الزيارة عرض عضلات انتخابي، بات مجبراً على العودة بسرعة بعد إجراءه مشاورات هاتفية مع قادة الأجهزة الأمنية ورئيس هيئة أركان الجيش أفيف كوخافي، الذي دعا قادة الأجهزة الأمنية والجيش لجلسة مشاورات في مقر وزارة الدفاع في تل أبيب المحتلّة.

اليوم، هناك العديد من السيناريوهات المطروحة على الطاولة والتي تبدأ بقصف جويّ وتمرّ عبر الحرب المفتوحة، وتصل إلى خطة لاجتياح بري أعدّها المجلس الأمني والسياسي الإسرائيلي المصغر (الكابينيت) وفق موقع “واللا”، العبري. لكن الوقائع على الأرض تشير إلى تكاليف باهظة سيدفعها نتنياهو حال الدخول في حرب مفتوحة فضلاً عن الاجتياح البرّي، وبين هذا وذاك لا بدّ من الإشارة إلى التالي:

أوّلاً: لا شكّ أن هذه الضربة النوعيّة والمشروعة التي تأتي بعد أيام على عملية الضفّة البطولية، قد أصابت صفقة القرن في الصميم. إن استهداف تل أبيب في مثل هذه الظروف سترفع المعنويات لدى محور المقاومة بغية مواجهة أي سنياريو محتمل لصفقة القرن. في الحقيقة، الضربة الأقوى التي ستتلقّاها صفقة القرن هي عندما يقدم الكيان الإسرائيلي على أي حرب مفتوحة مع قطاع غزّة حيث ستشكّل هذه الحرب ورقة ضغط كبيرة على كافّة الدول العربية الراعية لهذه الصفقة، وستؤجج الشعب العربي الذي سينزل إلى الشوراع دعماً لفلسطين، وأي خطوة غير محسوبة من قبل الأنظمة المطبّعة في هكذا توقيت قد تكرّر ما نشاهده في الجزائر والمغرب. لا نعتقد أن ترامب الطامح لنوبل للسلام، كما ألمح في تغريداته، لا نعتقد أنّه سيسمح لنتنياهو بالدخول بحرب مفتوحة مع فصائل المقاومة كونها ستنهي مشروع صهره كوشنير. ترامب سيدعم نتنياهو في خلال دبلوماسيّة التويتر، إلا أن سيطالبه باحتواء الأحداث.

ثانياً: إن وجود نتنياهو في واشنطن، وكذلك اقتراب انتخابات الكنيست التي ستجري في التاسع من من أبريل/نيسان المقبل يؤكدّ أنه “ليست لإسرائيل مصلحة في التعجيل بالرد”، وفق يشاي الذي يضيف: نتنياهو لا يزال في واشنطن ولا يريد تفويت لقاءه مع ترامب. هناك أحاديث عن حرب واسعة ولكن بعد انتخابات الكنيست، هذا ما يؤكده المحلل العسكري في موقع “واللا” أمير أورن الذي يعتقد أنه لن تكون هناك لحظات توتر قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع وتشكيل الحكومة، مما يعني أنه لا بد من المواجهة الشاملة في الصيف بعد الانتخابات.

ثالثاً: لا شكّ أن القدرات الصاروخية التي فاجئت تل أبيب تشكّل أحد عوائق الدخول في حرب مفتوحة، وبصرف النظر عن محاولات الاستهداف التي يتعرّض لها نتنياهو من خصومه السياسيين الذين يريدون الضغط عليه انتخابيا، ومحاولة جرّه لحرب ستكون نتائجها كارثية على مستقبله السياسي، فإن المقاومة الفلسطينية أثبتت أنها قادرة على كسر معادلة الردع الإسرائيلية، والإمساك بزمام الردع. كذلك، إن أي مواجهة مفتوحة في غزّة ستكون مختلفة عن سابقاتها حيث سنشهد مواجهات شعبية في الضفة الغربية التي تعيش اليوم على صفيح ساخن.

في الخلاصة، تشكّل صفقة القرن من جهة، وانتخابات الكنيست من جهة أخرى أبرز العوائق أمام التصعيد المفتوح. هناك العديد من الخيارات أمام تل أبيب، لكن كافّة الخيارات المتاحة امام نتنياهو مكلفة، ولعل أقلّها تكلفة هي ردّ محدود يتم تنفيذه من الجو، ولكن على تل أبيب التي فتحت ملاجئها لاستقبال المستوطنين أن تكون مستعدّة أيضاً لاستقبال الصواريخ. باختصار، سيحرص الكيان الإسرائيلي قبل حماس على إنهاء الجولة بأسرع وقت ممكن وبأقل خسائر ممكنة.

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here