سليم الحسني

عزت الشابندر هو الشقيق الأصغر للمفكر العراقي غالب الشابندر، لكن الفوارق بينهما كثيرة، بل ان المتشابهات بينهما لا تكاد تتجاوز علاقة الأسرة لا غير.

في إيران كان يعيش غالب الشابندر في شقة متهدمة صغيرة رطبة، أبواب غرفتيها بطانيات رثة، وشبابيكها أكياس نايلون وجرائد، والمطبخ زاوية مظلمة ولا وجود للحمام. وفي نفس الوقت كان يعيش (عزت) في احياء شمال طهران الراقية، في واحد من قصور مسؤولي نظام الشاه.

ترك عزت الشابندر إيران هارباً من ملاحقة قانونية الى سوريا، وهناك بدأ نشاطه السياسي الجديد، مستغلاً أجواء المعارضة المتداخلة مع المخابرات السورية والليبية وغيرهما. وخلال فترة وجيزة من أوائل الثمانينات استطاع ان ينسج شبكة واسعة من العلاقات، وكان من أوائل السياسيين المعارضين الذين استطاعوا ان يوثقوا علاقتهم بنظام القذافي، وحصل منه على الدعم المالي، وبذلك صار مفتوح اليد يستطيع شراء الأتباع، وبأمواله يتمكن من اختراق الكيانات والقيادات السياسية، لكن العقبة التي واجهته كيف يخترق حزب الدعوة فعلاقاته مع المخابرات السورية والليبية جعلت الدعوة تحذر منه وتتحاشاه.

لكن عزت الشابندر اكتشف نقطة الضعف في أحد أعضاء حزب الدعوة يتنقل بين دمشق وبيروت بسيارة حزب الدعوة عبر الخط العسكري الخاص الذي توفره الحكومة السورية لأطراف المعارضة العراقية، وكان هذا الشخص يستغل ذهابه وايابه من والى لبنان في اعمال التهريب من دون علم لجنة تنظيم الدعوة في سوريا. وهنا اكتشف عزت الشابندر ضالته فيه، فاتفق معه على اعمال تجارية، مقابل ان يحصل منه على معلومات خاصة عن حزب الدعوة.

هذا الشخص صار فيما بعد وكيلاً لوزارة الداخلية بعد السقوط، أقصد عدنان الأسدي. وكان عزت الشابندر حين يجلس مع السياسيين العلمانيين وغيرهم يتبجح بأن أسرار حزب الدعوة في جيبه، وحين يسألونه كيف ذاك، وهو حزب محكم السرية، فيزداد انتفاخاً بقدراته، ويزدادون اعجاباً بقدراته وأساليبه. (التفاصيل كثيرة في هذه النقطة ربما اتناولها في مقالات قادمة).

…في سنوات نشاطه في سوريا، عرف عزت الشابندر، ان القوة الميدانية للإسلاميين، لكن القوة المالية والاقليمية للعلمانيين، فعمل على الجمع بينهما، بأن أظهر الإسلامية مع الإسلاميين، وكشف علمانيته مع العلمانيين، لكن علاقته مع الطرف الثاني كانت هي الأكثر رسوخاً وقوة، فمن خلالهم يحصل على المال والدعم المخابراتي، وبذلك يكون واجهة إسلامية للاستخدام عند الحاجة، في مقابل حصوله على المال والنفوذ والقرب من رجال المخابرات.

ومن خلال ماله وعلاقاته استطاع ان يكسب الى جانبه بعض الإسلاميين من ضعاف النفوس، مما أثار ذلك حزن المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله، حيث قال لي في نبرة أسف وحزن: (كنت أرجو الخير في كفاءة (م) لكنه سقط في مستنقع عزت الشابندر). ـ سأتحدث عن ذلك في مقالات قادمة.

…بين رجال المخابرات وعلى الأطراف المتنازعة في المعارضة العراقية، وجد عزت الشابندر أفضل الأجواء، وهو الذي يجيد التنقل على المقاعد، ويحترف اللعب على الحبال، ويقرأ الأشخاص بنظرة ذكية، يكتشف فيها نقاط القوة والضعف، فيأتي الرجل من ضعفه ليستفيد من قوته، وهكذا استطاع ان يحقق توازناً دقيقاً مع معظم الأطراف السياسية.

 

كان عزت الشابندر يعرف أن الجهاد والنضال والمعارضة، لا دور لها ولا مستقبل لها باسقاط نظام صدام، وأن هذا الجو كله هو مجال لجني المال والعيش الرغيد، وأن الذين ينشغلون جدياً بمعارضة النظام، فهم لا يفهمون الأمور جيداً، وانهم أغبياء. وقد ظلت هذه النظرة هي التي تحكم تصرفاته ومواقفه، وقد اجادها الى حد كبير، حتى أنه عندما سقط نظام صدام، قال قولته المشهورة لبعض مقربيه: (هذه الفترة هي المرحلة التجارية، وبعدها سأدخل السياسة) وبالفعل اجاد ذلك، واختار اللحظة المناسبة لدخول العملية السياسية.

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here