images

صادق الازرقي

اذا اردنا الحديث عن خيارات الحكومة العراقية ورئيس مجلس وزرائها حيدر العبادي فيما يتعلق بالملف الامني، وفي طليعة ذلك المساعي لانتزاع المناطق المحتلة من سيطرة “داعش” الارهابي وتحريرها؛ فإننا نجد ان الاعتبارات الدولية والاقليمية تفرض نفسها بقوة، ولعل في طليعة الاسباب التي ولدت ذلك ضعف الحكومة العراقية الواضح، والتجاذبات الخطيرة الناجمة عن نظام المحاصصة البغيض الذي فرض اثر اسقاط النظام المباد، بمبادرة من الحاكم المدني بول بريمر وبمؤازرة معظم الساسة العراقيين الذين وافقوا على التدخل الاجنبي لإسقاط نظام صدام حسين؛ برغم خطورة الاستعانة بالأجنبي على مستقبل العراق وهو ما لمسنا و نلمس تأثيراته المدمرة حتى الآن.

ربما يفكر رئيس الوزراء حيدر العبادي و طاقمه بجدوى الاستعانة كرة اخرى بالأميركان، وهذه المرة لمواجهة تنظيم “داعش” الارهابي ودحره، غير ان وقائع الاحداث اثبتت وتثبت ان المراهنة على هذا الامر تتعرض الى مخاطر جمة؛ وعلى سبيل المثال فانه برغم العلاقات المتميزة بين العراق كبلد والادارة الاميركية فان الاخيرة سكتت حين اجتاح داعش ثلث مساحة العراق واحتل مدنا كبيرة في طليعتها الموصل؛ ولم تحرك ساكنا لمجابهته والقضاء عليه، و حتى علاقتها المتميزة مع البيشمركة الكردية لم توظفها لمجابهة داعش، ولم يجر تحرك الاميركان الا بعد ان رأوا التدخل الروسي في الحرب السورية وفاعليته التي قلبت موازين القوى في الساحة السورية وحققت النجاحات السريعة المتلاحقة في مجابهة الارهاب وتحرير الاراضي السورية المغتصبة من قبل التنظيم.

وفي العراق فان الحشد الشعبي والمعنويات العالية والروح القتالية التي يمتلكها المنتسبون اليه، اوضحت للعالم بمن فيهم الادارة الاميركية اهمية تلك القوة وضرورتها لدحر “داعش”، ولاسيما بعد ان رأوا تخاذل بعض القادة من العسكريين العراقيين وتسليمهم الاراضي العراقية واسلحة الجيش المتطورة الى التنظيم الارهابي في الموصل وغيرها من المناطق التي اجتاحها في حزيران  2014 والأخطر في تلك الاحداث التفريط بحياة آلاف الجنود بالتخلي عنهم او حتى التواطؤ من قبل البعض على قتلهم مثلما حصل في مجزرة سبايكر المعروفة.

ان امنيات كثيرة يسوقها لاعبون دوليون واقليميون لإبعاد الحشد الشعبي عن تحرير المدن العراقية المتبقية، برغم ادراكهم ان الحشد كان العامل الحاسم في رجحان كفة القوى الامنية ونشاط عمليات التحرير و زيادة فاعليتها في الانبار وصلاح الدين و ديالى وغيرها من المناطق.

 

 بعض الذين يعارضون اسهام الحشد الشعبي في تحرير مناطق محافظة نينوى ولاسيما في معركة الموصل المقبلة، يحلو لهم الادعاء بمخاطر طائفية ناجمة عن ذلك بحسب تصريحاتهم، في حين ان الحقيقة بعكس ذلك تماماً، اذ ان تدخل الحشد ادى الى توحد العراقيين بدلاً من ان يفرقهم، وبدا ذلك واضحا في معارك استعادة تكريت وبيجي والرمادي والشرقاط وغيرها و الترحيب الشعبي من سكان تلك المناطق الذي قوبل به الحشد الشعبي؛ كما يفترض بتلك القوى التي تعادي الحشد ان تعد مشاركته في معركة الموصل فرصة لإعادة اللحمة الحقيقية بين العراقيين اذا كانوا صادقين في دعاواهم بوحدة العراق ومصير شعبه وسعيهم الى عدم تقسيمه.

من القوى الاقليمية التي تدفع باتجاه عدم اشراك الحشد الشعبي في معارك تحرير الموصل تركيا التي يصرح مسؤولون كبار فيها هذه الايام انهم يريدون تجنيب الموصل ما اسموه بالتغيير الديموغرافي، وهذا في الحقيقة الوجه المعلن من الاسباب التي تسوقها انقرة لاستبعاد الحشد؛ اما السبب الحقيقي فيتمثل في نزوع تاريخي ويمكن ان نقول عنه قومي وعسكري للاستئثار بأراض كانت للدولة العثمانية تأثير وسلطة كبيرين فيهما ابان الحكم العثماني وفي مقدمتها الموصل؛ وهناك جهات متطرفة في تركيا تحاول التأثير في سكان الموصل لترغيب فكرة التدخل التركي الفاعل في شؤونهم بالادعاء بمخاطر ناجمة عن اعادة سيطرة الدولة العراقية على تلك الاراضي التي يحتلها تنظيم “داعش”، التي كان لجهات تركية متنفذة دور كبير في دعمه ومده بالحياة قبل ان ينقلب عليهم فانقلبت انقرة بدورها مؤخراً على التنظيم.

مختصر القول ان المعركة عراقية بامتياز، وان من يدفع الدماء لمجابهة داعش وتحرير المناطق هم العراقيون بالدرجة الاولى؛ وتلك حقيقة بادية للعيان وبالنتيجة فان معركة الموصل ستكون ايضا عراقية وان من الضروري بمكان اشراك جميع الفصائل العسكرية والامنية العراقية بتنوعها فيها، فذلك هو السبيل الأقوم والامثل لتوحيد الصف والقفز على الخلافات التي يعمّدها جهد العمل المشترك ودماء وتضحيات جميع المقاتلين بمواجهة تنظيم “داعش” الارهابي وطرده من المدن العراقية.

 

اما المساعدات الدولية والاقليمية لتحقيق هدف التحرير فهي مطلوبة ايضا ولا بأس بها اذا كانت بحسن نيه ولم تك مرهونة بالمطامع او تحقيق مصالح الدول على حساب مصلحة العراق، اذ ان مصالح العراق هي المطلوبة في معارك استعادة مدنه المغتصبة وليست مصالح الدول التي يجب ان تأتي في المرتبة الثانية عن طريق اقامة علاقات اقتصادية وتجارية وحتى عسكرية متطورة بين العراق وبين تلك الدول؛ التي يجب ان يكون سعيها بهدف مساعدة العراقيين على دحر الارهاب وتحرير مدنهم؛ وذلك هو الهدف الحقيقي الذي يجب ان يسعى اليه الجميع: العراقيون بإسهامهم جميعا في معارك التحرير واستعادة المدن واعادة اهلها اليها ومشاركة الجميع في ذلك بمن فيهم ابناء الحشد الشعبي، والمجتمع الدولي بتوفير الدعم المطلوب لتحقيق تلك الاهداف ومن ذلك الدعم اللوجستي والتقني المطلوب لاسيما على صعيد الاسناد الجوي بمعاضدة القوة الجوية العراقية ودعم المقاتلين العراقيين على الارض.

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here