ومن ناحية أخرى، بذل المهاجمون ما في وسعهم لانتزاع ما أمكنهم من مرقد الإمام الحسين عليه السلام والمباني القريبة منه، لا سيّما أنّ روضته المقدّسة كانت قد استقبلت من الهدايا والتحف ما قلَّ نظيره في العالم…

مقدام الفياض

يُلقي هذا التحقيق المختصر عن دراسة مطوّلة للدكتور مقدام الفياض (جامعة الكوفة) الضوء على الغارات والاعتداءات التي شنّها الوهابيون وآل سعود على مدينة كربلاء المقدسة والمناطق المحيطة بها في مطلع القرن التاسع عشر، مستفيدين من وهن الدولة العثمانية وتقاعس ولاتها في الدفاع عن الحواضر العراقية.

لم تدّخر الدولة العثمانية جهداً نظريّاً لمحاربة العقيدة الوهابية، متّهمة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فكرياً وسياسياً، ووصفتها بأنّها فكرة «مشبوهة، خارجة عن إطار الدين الإسلامي»، وأنّها تعمل من أجل «هدم الكعبة، والقبّة المنيفة على قبر سيّد المرسلين». وبعثت اسطنبول توجيهات مشدّدة إلى والي بغداد لاتخاذ إجراءات صارمة ضد السعوديين بهدف القضاء عليهم.

بدأت نُذر المواجهة تتّضح بعد انتقال بعض خصوم السعوديين من زعماء منطقتي حائل والأحساء مع قبائلهم إلى الجهات الجنوبية الغربية من العراق، هرباً من ضغط القبائل النجدية التي شنّت -بقيادة السعوديين- ولأغراض سياسية، واقتصادية، ودينية، وثأرية، سلسلة من الغزوات على الأراضي والعشائر العربية في البلدان المجاورة. وازدادت الأمور تعقيداً مع اتّهام الأمير السعودي عبد العزيز بن محمد آل سعود (1765-1803) القبائل الملتجئة الى جنوب العراق بأنها تقف وراء كثير من الاضطرابات التي تنشب بين حين وآخر في الأحساء وبعض المدن النجدية. لذلك فقد بدأ النجديون بشنّ غارات اتّخذت شكل حملات عسكرية سريعة على المنطقة المتاخمة للعراق في محاولة منهم لنشر دعوتهم السلفية، ولـ«تطهير» الجزيرة العربية ممّا يعدّونه «بدعاً وخرافات» على حدّ فهمهم، والحصول على مغانم مادية ايضاً.

الهجوم على كربلاء

هاجمت مجموعة من القبائل النجدية يقودها سعود بن الأمير عبد العزيز مدن الفرات الأعلى الغربية، بدءاً من بلدتي عانة وكبيسة، فقتل من أبنائهما العشرات. ثم انحدر جنوباً لمهاجمة مدينة كربلاء (110 كم إلى الجنوب الغربي من بغداد)، مقسّماً جيشه الى قسمين، وجّه الأول منهما، وفيه حوالي ألف فارس، إلى واحة شفاثا (65 كم الى الغرب من كربلاء)، وتمكّن من مشاغلة قوات الوالي سليمان باشا هناك وإنهاكها أياماً عدة بالمناوشات والغارات الليلية، من دون الدخول معها في اشتباك حاسم، فيما توجّه سعود شخصياً بمَن معه من مقاتلين نحو كربلاء ليكمن على مقربة منها ليلاً، في انتظار الفرصة المناسبة للانقضاض عليها.

كان عدد المهاجمين خمسة آلاف، وحصل الاعتداء يوم عيد الغدير الأغرّ في 18 ذي الحجة من عام 1216 (22 نيسان 1802). ومن المهم القول أنّ اختيار سعود لهذا اليوم جاء وفق معلومات أفادت أنّ معظم أهالي كربلاء مشغولون بإحياء مراسم عيد بيعة الغدير في النجف الأشرف، فاستفاد من هذه الناحية وأغار مع أتباعه عليها بغتةً في وقت الفجر، مهاجمين أحد الخانات التي تظلّل إحدى البوابات، ففتحوها عنوةً وتمكّنوا من اقتحام المدينة بعد ساعات فقط من حصارها.

ومن اللافت للنظر أنّ دخولهم كربلاء قد تمّ بسرعة، ولكنّ سيطرتهم عليها بشكل كامل كان عملية صعبة، على عكس ما حاولت أن تلمّح إليه بعض المصادر، فضلاً عن أنّ بعض المعلومات أشارت إلى قيام عمليات مقاومة فاعلة في شوارع المدينة وأزقّتها، وأنّ حوالي خمسين رجلاً مسلحاً تحصّنوا في إحدى الدور عالية البناء، واستطاعوا بصمودهم فيها قتل الكثير من النجديين، قبل أن يُقضى عليهم جميعاً، وكذلك تحدّثت بعض المصادر المهمّة جيدة الاطلاع، عن قتال شديد جرى بين سكان المدينة والقوات المهاجمة، استمرّ مدة قصيرة كانت الغلبة فيه للمهاجمين الذين ساعدهم في إنجاز مهمتهم تفوّقهم العددي على المدافعين، وتسليحهم الجيد، وضعف أسوار المدينة.

وليس من الصعب، فهم سبب اختيار الوهابيين كربلاء مدينةً يجسّدون فيها مقدرتهم في تدمير الحواضر التي يستولون عليها. فكربلاء- بسبب موقعها الجغرافي- تعدّ من مدن العراق الغربية القريبة نسبياً من شمال نجد، وكانت كذلك مشتهرة بما تحويه مراقدها من كنوزٍ نفيسة، والنجديون يعرفون ذلك جيداً، من خلال زياراتهم المعتادة إلى العراق بهدف التجارة. وتحصينات المدينة الدفاعية ضعيفة واستحكاماتها الاحترازية لرصد تحرّكات الأعراب وقطّاع الطرق تكاد تكون غائبة تماماً. ولعلّ ذلك يرجع إلى وقوعها على شاطئ النهر وانتشار البساتين بين أحيائها، لدرجة أنّ النجديين لم يجدوا صعوبة في كسر الأبواب فحسب، بل صعدوا على أسوارها بل «جدرانها» على حدّ قول ابن بشر، وتلك الجدران وصفت بأنّها مكوّنة من جذوع النخل مرصوفة حول حائط من اللّبن، خلافاً للحالة في النجف التي تتمتع بوجود وسائل دفاعية ذاتية منيعة.

فضلاً عن ذلك، فإنّ الدافع الطائفي كان حاضراً بشكل فاعل، ولم يكن أقل أهمية من هذا كله؛ إذ إنّ القبائل الغازية التي يعتنق معظمها الفكر الوهّابي التكفيري، ترفض تماماً بناء الأضرحة والمراقد، وتشييد القباب عليها، وشدّ الرحال إليها لزيارتها، متّهمة إيّاها بأنّها شرك بالله تعالى، خلافاً لمفهوم عامة المسلمين الذين ينظرون إليها بوصفها جزءاً من شعائر الدين، لأنّ مراقد الأئمة والأولياء تستحق تقديراً واحتراماً يليقان بالتضحيات التي قدّمها أولئك في سبيل نشر العقيدة الإسلامية وتثبيتها، والمرقد فوق كلّ هذا بيت من بيوت الله تعالى. الأمر الذي لا يرفضه «الإخوان» فحسب، بل اتّضح أنّهم يذهبون إلى تكفير أهالي كربلاء ومَن على ملّتهم، وأعلنوا ذلك صراحة في أثناء تخريبهم لعتباتها، وظهر المسلك المتشدد نفسه بشكل جلي في رسالة سعود بن عبد العزيز إلى علي باشا، قائد الحملة العثمانية الزاحفة نحو الأحساء في ربيع عام 1799؛ إذ جاء في رسالته متّهماً أهل الأحساء الشيعة بالقول: «أمّا بعد، ما عرفنا سبب مجيئكم إلى الأحساء وعلى أيّ منوال جئتم. فأمّا أهل الأحساء فإنّهم أرفاض ملاعين ونحن جعلناهم مسلمين بالسيف..»!

وتتطابق كلمات سعود هذه مع ما مارسه فعلياً في كربلاء، حينما رأى غزوه لها واجباً مقدساً، وأباح لأتباعه نهب ممتلكاتها بوصفها غنائم، وقسّمها -بعد أن عزل أخماسها– للراجل سهم، وللفارس سهمان، مثلما تقسّم أموال المشركين في الأرض المفتوحة عنوة.

عمليات القتل والنهب

لا شيء أضرّ بسمعة الدولة السعودية الأولى ودعوتها السلفية في أنحاء العالم الإسلامي، بقدر ما فعلت أحداث كربلاء الدموية، التي وُصفت بأنّها أعنف ما شنّته قبائل نجد من غزوات على البلاد المجاورة؛ فقد جرت عمليات قتل واسعة النطاق بأبعد مدى من القسوة، باستخدام السلاح الأبيض والناري، وملاحقة أهالي المدينة الهاربين على وجوههم إلى الأزقة والدهاليز، وقتلهم ذبحاً أو بأية طريقة أخرى، كما وُجد بعض الأطفال من بين القتلى.

ومن الأمور ذات المغزى أنّ كل عمليات القتل والاعتداء نفِّذت باسم الدين؛ إذ كان عدد من النجديين- حسبما أفاد شهود عيان- يصرخون لتأليب رفاقهم للانغماس في عمليات التصفية الجسدية قائلين: «اقتلوا الشيعة… اقطعوا رقاب الكفرة». ولم تكن تلك الكلمات للترويع فحسب، بل نفِّذ أمر قطع الأعناق بعدد كبير من الناس، لا سيّما في أروقة الحرم الحسيني المطهّر وفنائه الرئيس، زاعمين أنّ ذلك ما أوصاهم به الله تعالى، حسبما ذكر بعض المعاصرين للحادثة، وأكدته بعض المصادر التي أوردت أسماء عددٍ ليس بالقليل من الضحايا، وفيهم العلماء المعروفون، والمحقّقون الكبار، والأدباء، وطلبة العلوم الدينية، وسدنة الروضة الحسينية. فضلاً عن ذلك، فقد تمكّن النجديون من القبض على جماعة لا يعرف عدد أفرادها من العبيد الأحباش واقتادوهم ضمن الغنائم.

أمّا بشأن عدد الضحايا فليست هناك أرقام محددة، ويستحيل الآن التحقّق نهائياً ممّا توفّر منها، وبعيداً عن الاندفاعات الشخصية وعدم الدقّة، فإنّ أكثر الروايات قبولاً وعقلانية، تؤكّد أنّ عدد الشهداء كان يُقدّر ما بين ألف إلى ألفي شخص.

ومن ناحية أخرى، بذل المهاجمون ما في وسعهم لانتزاع ما أمكنهم من مرقد الإمام الحسين عليه السلام والمباني القريبة منه، لا سيّما أنّ روضته المقدّسة كانت قد استقبلت من الهدايا والتحف ما قلَّ نظيره في العالم، فاستولوا مثلاً على كميات كبيرة من الذهب والجواهر النفيسة، وتحفٍ نادرة، ومصاحف ثمينة، مهداة من بعض ملوك البلدان الإسلامية وأمرائها وغيرهم لعدة قرون، واستولوا أيضاً على خزائن مليئة بأموال المتبرعين من الزائرين؛ إذ وجدوا فيها مئات الآلاف من قطع النقد المحلية والأجنبية (الذهبية منها والفضية)، كما أنّهم حملوا حوالي أربعة آلاف قطعة من السجاد الكشميري بأحجام مختلفة، وعشرات السيوف المحلّاة بالذهب والمرصّعة بالأحجار الكريمة، ومئات السيوف الفضية، وعدد من الأواني والقناديل المصنوعة من الذهب الخالص، وصناديق الفضة، وستائر حريرية فاخرة. ومن المتعذّر حقاً إعطاء وصف كامل لما نُهب، لعدم وجود إحصائيات دقيقة أو جهات رسمية متخصصة أشرفت على جرد محتويات الحرم المطهّر.

وفي السياق نفسه، تمّ تخريب أجزاء مهمة من الروضة الحسينية، لا سيّما قلع الشباك والصندوق الثمينَين الموضوعين على القبر، وهدم الآجر الملوّن على صفحات جدرانه الفخمة، وهُدمت أيضاً أو أُحرقت بعض المشاهد الملحقة به، وحاولوا أيضاً قلع صفائح الذهب المرصوفة على القبّة فلم يوفَّقوا في ذلك، ويبدو أنّ الأجواء كانت مشحونة وشديدة التوتر، فلم يجد الوهّابيّون الوقت الكافي ليفعلوا كلّ ما يريدون.

وعلى الرغم من أنّ غزوة كربلاء عُدّت عديمة الأهمية من الناحية الاقتصادية في نظر بعض المؤرّخين، فليس للمرء إلّا أن يشعر أنّ الأموال الوفيرة والنفائس الثمينة التي غنمها النجديون من مدينة الإمام الحسين عليه السلام، قد شجّعت الكثير من القبائل البدوية المتعطّشة للغزو على الانضمام إلى صفوفهم للحصول على غنائم ضخمة وغير اعتيادية، وحسبما يقول ابن سند البصري: «بأموال كربلاء استفحل أمر سعود، وطمع في مُلك الحرمَين، وشرع في محاصرة المدينة المنوّرة..».

الغارات اللاحقة

لم يكتفِ النجديون بما غنموه في كربلاء، وأرادوا أن يعزّزوا انتصارهم بمهاجمة النجف الأشرف (80 كم جنوباً) لإيقاعها في قبضتهم، ولكنّهم فوجئوا بوضعٍ مختلف تماماً، إذْ أجبرتهم مناعة أسوار المدينة، ويقظة النجفيين، والنيران الكثيفة التي أطلقهوها عليهم، على الانسحاب والتقهقر إلى الصحراء. وفيما عدا ذلك الانكسار الجزئي، فإنّ الغارات النجدية سببت خسائر فادحة وكبيرة لسكان المناطق الجنوبية والغربية، وخلّفت وراءها قدراً أكبر من مشاعر السخط والاستياء لدى العراقيين، لدرجة أنّ رجلاً انطلق من العراق إلى نجد عام (1218 ه- 1803 م) بهدف قتل عبد العزيز بن سعود في عقر داره (الدرعية)، واختلفت المصادر في تحديد هوية الرجل ودوافعه، ففي حين عدّته بعضها من أبناء كربلاء الراغبين في الانتقام ممّا لحق بمدينتهم من دمار، قالت عنه أخرى إنّه فارسيّ أو أفغانيّ درس العلوم الدينية في بغداد، وتوافق أن زارت زوجته وأطفاله كربلاء أيام غزوها، فقُتلوا ذبحاً على يد النجديين، فرحل والدهم بطريقة ما إلى الدرعية وادّعى اعتناقه الفكر السلفي، وعمل هناك حوالي عام منتظراً الفرصة لأخذ ثأر أطفاله. وذهبت مصادر نجدية أو مقرّبة منها إلى أنّه من أكراد العراق يسكن بلدة العمادية قرب دهوك، في حين تمّيز صاحب (لمع الشهاب) بتسميته للقاتل باسم «علي البغدادي»، والملاحظ أنّ الجميع اتّفقوا على مكان انطلاقة الرجل وهي العراق، سواء أكان كردياً أم عربياً أم أفغانياً، تنكّر بزي دعاة السلفية وارتحل إلى نجد عازماً على تنفيذ مهمة استشهادية، ليس من ورائها إلّا الأجر في الحياة الآخرة، لأنّه قد أنجزها وهو بين مئات من المصلّين النجديين، وحال قتله عبد العزيز بن سعود انقضّ عليه أتباعه وقتلوه في 2 تشرين الثاني 1803.

بعد عبد العزيز خلفه ابنه سعود، فهاجم في أوائل شهر صفر 1221 ه- نيسان 1806 القرى المتاخمة لكربلاء، وفي الوقت نفسه تعرّضت مدينة النجف لهجوم نجدي مفاجئ من أربع جهات، استطاع أبناؤها من صدّه بفضل قوة تحصيناتهم والهمّة العالية لزعيمهم الشيخ جعفر الجناجي (كاشف الغطاء). لكنّهم عادوا الكرة في العام التالي (1807) وهاجموا النجف الأشرف بخمسة آلاف مقاتل، وتمكّنوا من تطويقها وتسلّق البعض منهم سورها، لكنّ صمود أهالي المدينة الذين جاءتهم الأخبار في الوقت المناسب، جعلت الغزاة يقتنعون بأنّ اقتحامها أمرٌ مستحيل تماماً، فانسحبوا من دون أن يظفروا بشيء.

كلّ ذلك يجري والدولة العثمانية القابضة على العراق لا تحرّك ساكناً، تاركةً أبناء الحواضر العراقية المجرّدين من السلاح إلى مصيرهم. ويبدو أنّ ضعف العثمانيّين وأوضاعهم المتردية، جرّأت الوهابيين على مواصلة الزحف إلى الحلّة أولاً، ثم إلى كربلاء التي دهموها على حين غرّة في وضح النهار وبشكلٍ غير معتاد، ففرضوا عليها حصاراً شديداً، لكنّ الكربلائيين استماتوا في الدفاع عن مدينتهم بالاستفادة من السُّور الذي بُني قبل مدة وجيزة، ومن تجربتهم السابقة، وراحت القوات النجدية ترمي المدينة برصاصها على غير طائل، وكادت تتجاوز السور بعد وضع السلالم لكن دون جدوى، فوقف سعود بن عبد العزيز -خلافاً لما سبق– متحيّراً، وعلى حدّ قول أحد المعاصرين: «فثبتوا له خلف السور وقتل منهم وقتلوا منه، ورجع خائباً». وهكذا أُجبر النجديون على التراجع، لكنهم أغاروا على مضارب القبائل القريبة من كربلاء والحلّة، وقتلوا عدداً من أبنائها وسلبوا ما أمكنهم من أملاكها.

ولم يكن هناك أمر يقف بوجه التوسّع السعودي ولا يضع حداً لغارات أتباعهم من القبائل النجدية على البلاد المجاورة، سوى انشغالهم بمقاومة طموحات والي العثمانيين في مصر محمّد علي باشا (1805-1848)، الذي حرّك قواته بشكل فعلي منذ عام 1811 لنزع الحجاز من سلطانهم، الأمر الذي لم يكن سوى الخطوة الأولى باتّجاه القضاء على الدولة السعودية الأولى على يد ولده وقائده العسكري إبراهيم باشا عام 1818م.

مشاركة

ارسال التعليقات

Please enter your comment!
Please enter your name here