على عتبةِ النوحِ... أو الغناءِ

عدد القراءات : 1758
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
على عتبةِ النوحِ... أو الغناءِ

د. سلمان كيوش

في واحدةٍ من نوباتِ وجدِهِ الدامي بالهور سردَ عبّود المنشداوي، الحوشيّ في مضيفِ حمود بن خليفة المْحمّداوي، حكايةً. قال:
سمعتُ اسمي يتردّدُ على لسانِ الشيخِ حمود فهرعتُ من فوري نحوه، قال: هذا سيّد محمّد بن سيّد كاظم يريدُ الوصولَ إلى العَدِل. تولَّ الدفعَ به. خذْ الطّرادةَ.
ولأنّ المسافةَ طويلةٌ والوقتَ ليلٌ فقد استعنتُ برجل نشيطٍ آخر. جلسَ سيّد محمّد في وسط ِالطّرادة، وتوليتُ مَقدَمِها عند عنقها الطويلِ، قابضًا على مَرديّ أملس.. ودفعنا باتجاه العَدِل.
حين ابتعدنا عن السلفِ بدا امتدادُ الهورِ واضحًا تحتَ قمرٍ مكتملٍ قريبٍ. شعرتُ أني يمكنُ أن أطالَه بطرفِ المرديّ. وتغطّتْ مساحاتٌ شاسعةٌ من الماءِ بزهورِ الگعيبة. النسيمُ يحيي الموتى بعذوبته، والسكونُ مطبقٌ باستثناء نقيقِ الضفادعِ وصوتِ انغراز المرادي في الماء. طفتْ روحي وخَفّتْ.. وشعرتُ أنّي بجناحين، ستحملاني نحوَ القمرِ القريبِ.
برغمِ جلالِه، التفتُّ إلى سيّد محمّد وهو يتوسّط الطرّادة. قلتُ: غنِّ يا سيّد. لم يجبني. قلتُ له بين الجدِّ والهزلِ:" وجدّكَ رسول الله إذا ما تغنّي أكتلك بهذا المردي وأطمسك بالماي.. وعلى شرط تغنّي وگفة".
كانت الطرّادةُ كالزيطةِ في سرعتها وقد ابتعدنا كثيرًا عن مضيفِ حمود. نهضَ سيّد محمّد، أزاحَ طرفي شطفته وكوّرهما على عگاله، وزفرَ آه طويلةً جدًا.. بدتْ كما لو أنّه يئنُّ من ألمٍ في قلبِه أو كبدِه أو في عضوٍ مهمٍّ في جسدِه. صوتُ الليلِ مسموعٌ.. فتناهتْ إلينا من الظلمةِ، التي بعثرها ضياءُ القمرِ، ومن الصمتِ المطبقِ للهورِ ووحشةِ سكونه كلمةُ: افلحوا.. تردّدتْ كثيرًا. وكنتُ أردُّ بكلِّ حنجرتي: كفو.. كفو.. رايحين للعَدِل.
لم أكن أطمعُ بغيرِ أبوذيّةٍ واحدةٍ، لكنّ سيّد محمّد فاجأني بأبوذيّة أخرى وأخرى.. الغريبُ أن الضفادعَ تكفُّ عن نقيقها مع أنينِ السيّدِ، وتعاوده في صمته.
انحدرت الطرّادةُ سريعةً ودنتْ من مضيفِ سيّد صروطِ الاسماعيليّ. استطعتُ تبيّنَ الرايةِ السوداءِ الخافقة فوقَ شِبابه برغم العتمةِ والمسافةِ، ربما بفعلِ القمرِ الذي تشتّتَ أقمارًا على صفحةِ ماءٍ ممتدٍّ حتى عتمة الأفقِ الحالكة. مع الآه الجديدةِ الطويلةِ لأبوذيّةِ السيّد، ربما الرابعة، سمعنا "افلحوا" هادرةً راعدةً تسلّلتْ إلينا من جهةِ مضيفِ سيّد صروط.. وتلتها: وجَدّي إذا ما تحولون أعثّركم..
لم نجدْ بُدًّا من أن "نحوّل" في مضيفه، خفنا من أن يعثّرنا فيُطمس الطرّادة في البرگة الواسعةِ بين أبو صبور وأبو ﭽواثل. وحين هممنا بالنهوضِ لمواصلةِ رحلتنا إلى العَدِلِ اعترضَ سيّد صروط بالقول: ما تمشون. بعدها صمتَ قليلاً، نظرَ في وجهِ سيّد محمّد، الذي زادَه ضوءُ البطلِ المعلّق في الشَبّةِ إشراقًا. قال كأنّه يتعرّى، هكذا شعرتُ به: سيّد محمّد.. أستاهل تغنيلي؟ أطرقَ سيّد محمّد ثم رفع رأسَه محدّقًا في الشِباب السامقةِ وفي الموقدِ الذي اصطفتْ فيه دِلالٌ كثيرةٌ. لم ينطقْ بحرفٍ وهو يستحضرُ البختَ الجليلَ المقيمَ هنا منذُ دهرٍ.. ربما أرادَ التأكّدَ من صدقِ رغبةِ سيّد صروط.. ولعلّه تساءلَ في سرّه: أيصلحُ الغناءُ هنا، في حضرةِ الشّارِةِ والبخت؟. شعرتُ بالوقتِ الصعبِ الذي مرَّ على قلبِ سيّد محمّد وهو لا يدري ما الذي يجدرُ به فعلُه، أيرفضُ الطلبَ الغريبَ أم يذعنُ له؟ لكنّ صمتَه لم يدم طويلاً.. قال:" تامر سيّد.. أنتَ تستاهل ماي العين". نظّفَ حنجرتَه بسعال خفيفٍ مصطنعٍ، ثم صدحَ:
گوم انصب يا سيّد ماتمنه* على الوياه ليلة ماتمنه* لون الرجل يملك ماتمنه* مَهو بالهون فرگاهم عليّه.. جاءت الآه الاستهلاليّةُ مبعثرةً مضطربةً وخافتةً. لعلّه خافَ الشّارةَ التي قد تقلبه خنزيرًا أو رفشًا في مضيفِ الطُهرِ والبختِ الجليلين. لكنّه سرعان ما تماسك.
سكنَ رأسُ سيّد صروط تمامًا. وكفَّ حتى عن أن يُطرفَ بجفنيه. كنتُ منشغلاً بالنظرِ إلى وجههِ وقد صعقتني المفاجأة. كدتُ أزعق: سيّد صروط يطرب؟!!! العبّاس الزغيّر ينودُ برأسه طربًا بصوتُ سيّد محمّد. انتبهتُ للعصافيرِ وطيورٍ أخرى لا تكادُ تبينُ وهي تمدُّ رؤوسها من أعشاشها عند تلاقي أطرافِ الشِباب العاليةِ فوقنا، ولاحت مني التفاتةٌ إلى بابِ المضيفِ والفضاءِ الواسعِ الممتدِّ بعدَه.. ثمة عجولٌ صغيرةٌ تركتْ ضروعَ أمهاتها ومدّتْ أبوازها مستطلعةً ما يجري في المضيف.
أيجدرُ بي نقلُ ما رأيتُ وسمعتُ؟ وهل سيصدّقني أحدٌ؟ هل ستعي الخرور وصدور الواديّة والموزر وأبو صبور والحجيّة وأبو ﭼواثل الخبرَ؟ هل سيصدّقني الحوشيّة لو قلتُ لهم أن سيّد صروط أطرقَ باكيًّا وهو يستمعُ للغناءِ؟! هل سيطيقُ الفلاحون أنصافُ العُراةِ، وهم يسيّرون مشاحيفهم الصغيرةَ في مطاردةٍ محمومةٍ للبِنّي، خبرَ الطربِ الذي أبداهُ العبّاسُ الزغيّر؟ وبعدها هل ستصدّقُ العمارةُ كلُّها، بشطوطها وهورها وصحاريها؟
لا أريدُ أن أزلفَ من البختِ.. أنا لم أسمع انتحابًا لسيّد صروط.. كلُّ ما رأيتُه هو بريقُ دمعٍ ملأ مقلتيه، ثم رأيتُ كتفيه ترتعدان وقد غطّى كاملَ وجهه بشطفته.
***
أكثرُ من ستين عامًا مرّتْ على هذه الواقعةِ. جفَّ فيها الهورُ، ولم يعد جريانُ الماءُ يكسرُ المرديَّ في العَدِل أو الواديّة كما كان. ونبتَ الشوكُ والعاگَول في قاعِ أبو صبور والخرور وأبو ﭼواثل وتحوّلتْ إلى مجردِ أسماءٍ واخزةٍ للذاكرةِ الجنوبيّةِ المنكوبةِ.
لم أُبدِ سعادةً أو حزنًا وأنا أستمعُ لعبّود المنشداوي. كنتُ أكتفي بالنظرِ إليه فقط، فلديّ ما يكفي من الوقتِ والإرادةِ لأن أبكي وحدي، هذا غير مقتي الشديدِ للبكاءِ في حضرةِ الغرباءِ. شعرتُ وأنا ألممُ أشيائي لأغادرَ أني على صوابٍ كبيرٍ، وأنّي سعيدٌ بقدرتي على الانتحابِ في حضرةِ غناءٍ يصعبُ تفريقُه عن النواحِ.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
أخر الإضافات
اشتعال الفتيل بين السعودية وحماس
هذه الروائح في جسمكم تدلّ على الإصابة بأمراض خطيرة
حبة واحدة وتشفى خلال 24 ساعة!
القبض على ارهابيين اثنين بداعش حاولا الدخول الى بغداد
الحشد يقتل عنصرين من داعش بعملية تعقب لخلاياه في صلاح الدين
انخفاض طفيف بسعر الدولار امام الدينار في البورصات
دولة القانون تحذرى من اي محاولة للتدخل في"تخليص" الشريفي من "قبضة العدالة"
برشلونة يسحق جيرونا 6-1 في الدوري الإسباني
الصدر يبدي اعجابه بالسيسي ويدعوه لزيارة بغداد ”
"الإخوانجي" سليم الجبوري في قطر .. ماهدف الزيارة!
فيسك: الغوطة فضحت العداء السعودي القطري وعينت الوجهة المقبلة للجيش السوري
موارد ديالى: خزين بحيرة حمرين زاد نحو 400 مليون م مكعب
قصة راهب انقذ مخطوطات قديمة تعود لالاف السنين من "داعش" في نينوى
حملة داعشية صدامية تستهدف الأساءة للحشد الشعبي ودمائه المقدسة
ثقة العراقيين .. بشعارات المرشحين
الأكثر شعبية
الزبيدي يفجر مفاجأة من العيار الثقيل:التحالف الوطني سيخسر رئاسة الحكومة المقبلة لصالح هذه الشخصية..
النائب عباس البياتي أنصع وجها !
مجلة ألمانية: "الفيفا" يدرس سحب تنظيم مونديال 2022 من قطر
بتأثير من الملك وابنه .. مفتي السعودية يجيز سماع اغاني الجاز الامريكية
معلومات استخباراتية سرية تكشف علاقة "مريبة" بين صدام وداعش
قصة راهب انقذ مخطوطات قديمة تعود لالاف السنين من "داعش" في نينوى
حملة داعشية صدامية تستهدف الأساءة للحشد الشعبي ودمائه المقدسة
حبة واحدة وتشفى خلال 24 ساعة!
القبض على ارهابيين اثنين بداعش حاولا الدخول الى بغداد
انخفاض طفيف بسعر الدولار امام الدينار في البورصات
"السعودية" من دون عمليات تجميل
"الإخوانجي" سليم الجبوري في قطر .. ماهدف الزيارة!
مكتب العبادي يوضح حقيقة زيادة نسبة الاقليم من الموازنة
الحشد يقتل عنصرين من داعش بعملية تعقب لخلاياه في صلاح الدين
هوس الشهره ستحرق العراق
مهندس عراقي يقطع الاف الكيلومترات لينقذ عراقيا لا يعرفه
الزبيدي يفجر مفاجأة من العيار الثقيل:التحالف الوطني سيخسر رئاسة الحكومة المقبلة لصالح هذه الشخصية..
الحشد يصدر بياناً شديد اللهجة ردا على التصريحات الامريكية الاخيرة
النائب عباس البياتي أنصع وجها !
ما لا تعرفه عن "السلفية المسيحية".. أسرار وخفايا
التنافس في الفضاء!!! صرعة سعودية اماراتية جديدة
افتتاح أول مدرسة للحمير !
بيروت تطالب بغداد بتسديد ديون تبلغ قيمتها 8 مليارات دولار
القبض على بنغلاديشيين بحوزتهما كيلو غرام من المخدرات في الديوانية
الدولار يهوي في بورصة بغداد
مجلة ألمانية: "الفيفا" يدرس سحب تنظيم مونديال 2022 من قطر
لماذا سربت الدعوة سر وثيقة التحالف بين العبادي والمالكي بعد الانتخابات؟
مفتي سوريا: لولا العراقيون لوصلت داعش للمدينة ونبشت قبر النبي
من منا لم يسمع عن أوميغ 3 وفوائدها العظيمة ؟ تعرف عليها وعلى ما أثبتته الدراسات
ضبط كدس من الاسلحة والاعتدة في الكرابلة غربي الانبار
مهندس عراقي يقطع الاف الكيلومترات لينقذ عراقيا لا يعرفه
حكومتكم لا تحترمكم!
لماذا أخرجت جثة القذافي، وما حقيقة ما أثير حول نسبه؟
جمال الضاري يهدد الحكومة العراقية بعصابات داعش !
قصة قصف البغدادي , تناقض الادعاءات الاميركية مع الافعال
عاصفة شمسية شديدة في طريقها إلى الأرض اليوم
توكلنا على الله وسجناه
داعش يفشل بإعلان "ولاية حلبجة" ويكشف مخابئه في السليمانية
الزبيدي يفجر مفاجأة من العيار الثقيل:التحالف الوطني سيخسر رئاسة الحكومة المقبلة لصالح هذه الشخصية..
بوتين معلّقا على "قائمة الكرملين": الكلاب تنبح والقافلة تسير
اعتقال مدير قناة دجلة جمال الكربولي في مطار عمان
انتكاسة للبيشمركة، وخبر غير سار لعوائل الأسرى الكرد
بعد رفضها تسليم رغد، وقيادات بعثية مطلوبة، الحكومة العراقية تكافئ الاردن مكافأة عظيمة
النجيفي يصف المنسحبين بالخونة وعلاوي يطرد مشعان الجبوري ارضاء للمطلك ورغد
وصفة سحرية لضبط السكر بالدم.. السر في البيض!