على عتبةِ النوحِ... أو الغناءِ

عدد القراءات : 1921
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
على عتبةِ النوحِ... أو الغناءِ

د. سلمان كيوش

في واحدةٍ من نوباتِ وجدِهِ الدامي بالهور سردَ عبّود المنشداوي، الحوشيّ في مضيفِ حمود بن خليفة المْحمّداوي، حكايةً. قال:
سمعتُ اسمي يتردّدُ على لسانِ الشيخِ حمود فهرعتُ من فوري نحوه، قال: هذا سيّد محمّد بن سيّد كاظم يريدُ الوصولَ إلى العَدِل. تولَّ الدفعَ به. خذْ الطّرادةَ.
ولأنّ المسافةَ طويلةٌ والوقتَ ليلٌ فقد استعنتُ برجل نشيطٍ آخر. جلسَ سيّد محمّد في وسط ِالطّرادة، وتوليتُ مَقدَمِها عند عنقها الطويلِ، قابضًا على مَرديّ أملس.. ودفعنا باتجاه العَدِل.
حين ابتعدنا عن السلفِ بدا امتدادُ الهورِ واضحًا تحتَ قمرٍ مكتملٍ قريبٍ. شعرتُ أني يمكنُ أن أطالَه بطرفِ المرديّ. وتغطّتْ مساحاتٌ شاسعةٌ من الماءِ بزهورِ الگعيبة. النسيمُ يحيي الموتى بعذوبته، والسكونُ مطبقٌ باستثناء نقيقِ الضفادعِ وصوتِ انغراز المرادي في الماء. طفتْ روحي وخَفّتْ.. وشعرتُ أنّي بجناحين، ستحملاني نحوَ القمرِ القريبِ.
برغمِ جلالِه، التفتُّ إلى سيّد محمّد وهو يتوسّط الطرّادة. قلتُ: غنِّ يا سيّد. لم يجبني. قلتُ له بين الجدِّ والهزلِ:" وجدّكَ رسول الله إذا ما تغنّي أكتلك بهذا المردي وأطمسك بالماي.. وعلى شرط تغنّي وگفة".
كانت الطرّادةُ كالزيطةِ في سرعتها وقد ابتعدنا كثيرًا عن مضيفِ حمود. نهضَ سيّد محمّد، أزاحَ طرفي شطفته وكوّرهما على عگاله، وزفرَ آه طويلةً جدًا.. بدتْ كما لو أنّه يئنُّ من ألمٍ في قلبِه أو كبدِه أو في عضوٍ مهمٍّ في جسدِه. صوتُ الليلِ مسموعٌ.. فتناهتْ إلينا من الظلمةِ، التي بعثرها ضياءُ القمرِ، ومن الصمتِ المطبقِ للهورِ ووحشةِ سكونه كلمةُ: افلحوا.. تردّدتْ كثيرًا. وكنتُ أردُّ بكلِّ حنجرتي: كفو.. كفو.. رايحين للعَدِل.
لم أكن أطمعُ بغيرِ أبوذيّةٍ واحدةٍ، لكنّ سيّد محمّد فاجأني بأبوذيّة أخرى وأخرى.. الغريبُ أن الضفادعَ تكفُّ عن نقيقها مع أنينِ السيّدِ، وتعاوده في صمته.
انحدرت الطرّادةُ سريعةً ودنتْ من مضيفِ سيّد صروطِ الاسماعيليّ. استطعتُ تبيّنَ الرايةِ السوداءِ الخافقة فوقَ شِبابه برغم العتمةِ والمسافةِ، ربما بفعلِ القمرِ الذي تشتّتَ أقمارًا على صفحةِ ماءٍ ممتدٍّ حتى عتمة الأفقِ الحالكة. مع الآه الجديدةِ الطويلةِ لأبوذيّةِ السيّد، ربما الرابعة، سمعنا "افلحوا" هادرةً راعدةً تسلّلتْ إلينا من جهةِ مضيفِ سيّد صروط.. وتلتها: وجَدّي إذا ما تحولون أعثّركم..
لم نجدْ بُدًّا من أن "نحوّل" في مضيفه، خفنا من أن يعثّرنا فيُطمس الطرّادة في البرگة الواسعةِ بين أبو صبور وأبو ﭽواثل. وحين هممنا بالنهوضِ لمواصلةِ رحلتنا إلى العَدِلِ اعترضَ سيّد صروط بالقول: ما تمشون. بعدها صمتَ قليلاً، نظرَ في وجهِ سيّد محمّد، الذي زادَه ضوءُ البطلِ المعلّق في الشَبّةِ إشراقًا. قال كأنّه يتعرّى، هكذا شعرتُ به: سيّد محمّد.. أستاهل تغنيلي؟ أطرقَ سيّد محمّد ثم رفع رأسَه محدّقًا في الشِباب السامقةِ وفي الموقدِ الذي اصطفتْ فيه دِلالٌ كثيرةٌ. لم ينطقْ بحرفٍ وهو يستحضرُ البختَ الجليلَ المقيمَ هنا منذُ دهرٍ.. ربما أرادَ التأكّدَ من صدقِ رغبةِ سيّد صروط.. ولعلّه تساءلَ في سرّه: أيصلحُ الغناءُ هنا، في حضرةِ الشّارِةِ والبخت؟. شعرتُ بالوقتِ الصعبِ الذي مرَّ على قلبِ سيّد محمّد وهو لا يدري ما الذي يجدرُ به فعلُه، أيرفضُ الطلبَ الغريبَ أم يذعنُ له؟ لكنّ صمتَه لم يدم طويلاً.. قال:" تامر سيّد.. أنتَ تستاهل ماي العين". نظّفَ حنجرتَه بسعال خفيفٍ مصطنعٍ، ثم صدحَ:
گوم انصب يا سيّد ماتمنه* على الوياه ليلة ماتمنه* لون الرجل يملك ماتمنه* مَهو بالهون فرگاهم عليّه.. جاءت الآه الاستهلاليّةُ مبعثرةً مضطربةً وخافتةً. لعلّه خافَ الشّارةَ التي قد تقلبه خنزيرًا أو رفشًا في مضيفِ الطُهرِ والبختِ الجليلين. لكنّه سرعان ما تماسك.
سكنَ رأسُ سيّد صروط تمامًا. وكفَّ حتى عن أن يُطرفَ بجفنيه. كنتُ منشغلاً بالنظرِ إلى وجههِ وقد صعقتني المفاجأة. كدتُ أزعق: سيّد صروط يطرب؟!!! العبّاس الزغيّر ينودُ برأسه طربًا بصوتُ سيّد محمّد. انتبهتُ للعصافيرِ وطيورٍ أخرى لا تكادُ تبينُ وهي تمدُّ رؤوسها من أعشاشها عند تلاقي أطرافِ الشِباب العاليةِ فوقنا، ولاحت مني التفاتةٌ إلى بابِ المضيفِ والفضاءِ الواسعِ الممتدِّ بعدَه.. ثمة عجولٌ صغيرةٌ تركتْ ضروعَ أمهاتها ومدّتْ أبوازها مستطلعةً ما يجري في المضيف.
أيجدرُ بي نقلُ ما رأيتُ وسمعتُ؟ وهل سيصدّقني أحدٌ؟ هل ستعي الخرور وصدور الواديّة والموزر وأبو صبور والحجيّة وأبو ﭼواثل الخبرَ؟ هل سيصدّقني الحوشيّة لو قلتُ لهم أن سيّد صروط أطرقَ باكيًّا وهو يستمعُ للغناءِ؟! هل سيطيقُ الفلاحون أنصافُ العُراةِ، وهم يسيّرون مشاحيفهم الصغيرةَ في مطاردةٍ محمومةٍ للبِنّي، خبرَ الطربِ الذي أبداهُ العبّاسُ الزغيّر؟ وبعدها هل ستصدّقُ العمارةُ كلُّها، بشطوطها وهورها وصحاريها؟
لا أريدُ أن أزلفَ من البختِ.. أنا لم أسمع انتحابًا لسيّد صروط.. كلُّ ما رأيتُه هو بريقُ دمعٍ ملأ مقلتيه، ثم رأيتُ كتفيه ترتعدان وقد غطّى كاملَ وجهه بشطفته.
***
أكثرُ من ستين عامًا مرّتْ على هذه الواقعةِ. جفَّ فيها الهورُ، ولم يعد جريانُ الماءُ يكسرُ المرديَّ في العَدِل أو الواديّة كما كان. ونبتَ الشوكُ والعاگَول في قاعِ أبو صبور والخرور وأبو ﭼواثل وتحوّلتْ إلى مجردِ أسماءٍ واخزةٍ للذاكرةِ الجنوبيّةِ المنكوبةِ.
لم أُبدِ سعادةً أو حزنًا وأنا أستمعُ لعبّود المنشداوي. كنتُ أكتفي بالنظرِ إليه فقط، فلديّ ما يكفي من الوقتِ والإرادةِ لأن أبكي وحدي، هذا غير مقتي الشديدِ للبكاءِ في حضرةِ الغرباءِ. شعرتُ وأنا ألممُ أشيائي لأغادرَ أني على صوابٍ كبيرٍ، وأنّي سعيدٌ بقدرتي على الانتحابِ في حضرةِ غناءٍ يصعبُ تفريقُه عن النواحِ.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
أخر الإضافات
الأكثر شعبية
مصرع واصابة خمسة اشخاص بسقوط عربة للعبة سكة الموت في اربيل
عبد الباري عطوان: المنطقة تغلي.. و إليكم أكثر السيناريوهات رعبا!
محمد بن سلمان مقتول ام مصاب ؟؟
مسؤول اميركي يكشف: واشنطن ابقت "اتصالا سريا" بـ"مقتدى الصدر" منذ 10 سنوات
لزيادة فرصك في الإنجاب.. هذا هو الحل
شذرات من فضائل أم المؤمنين السيدة خديجة(ع)
قصة صادمة يرويها رهينة فر من الخطف في ديالى
مجلس الوزراء العراقي يصدر تعليمات التعيين على الدرجات الوظيفية
خطر ال سعود مستمر وخطورته تزداد شدة
سياسي: سائرون خارج حسابات دولة القانون والاكراد اقربهم
هل للحزب الديمقراطي الكردستاني فيتو على أي مرشح لرئاسة الوزراء؟
الغاء جلسة البرلمان المقررة اليوم لعدم اكتمال النصاب
كتلة "المستقبل" تسمي الحريري لتشكيل الحكومة الجديدة
الأغذية المعجزة التي توسّع الشرايين وتعالج الدوالي والجلطات والتشنجات
أمريكا تمارس السياسة على الطريقة الخليجية ... تهديدات بومبيو الأخيرة!!!
لاشيء أخطر من السكوت عن مقتدى الصدر
العبادي يرفض شروط مقتدى ويؤكد أن لا حكومة تشكل من دون مشاركة الفتح ودولة القانون والمكونين السني والكردي
بالصور.. كيف تحول يخت صدام (الملكي) المذهب إلى فندق للطلبة المرشدين ؟!
تحالف سائرون والنصر بات من الماضي بعد إصرار الأخير على رئاسة الوزراء
ابن زايد يسير على خطا ابن سلمان ويشكّل لجنة "للاستيلاء" على ثروات الإماراتيين!
النتائج النهائية للانتخابات العراقية 2018 على مستوى القوائم والمقاعد
الحكمة: الساعات الـ72 المقبلة ستشهد تحالفا بين اربعة ائتلافات
بالوثيقة.. تحرك برلماني في الوقت الضائع لإلغاء نتائج الانتخابات
الارقام كشفت المستور
6 أطعمة تناولوها يومياً وستخفض مستوى السكر في دمكم فوراً !
مرشح فائز: الحكومة والبرلمان المقبلان نتاج انتخابات مزورة وانقلاب على الديمقراطية
صحيفة سعودية: لقاءات مرتقبة تجمع الصدر والبارزاني والخنجر واختيار الموصل لإعلان تحالفهم
سائرون : وصلتنا إشارات إيجابية من خميس الخنجر
الكشف عن “خلافات” بين الصدر والعبادي حول" نوعية" الوزراء في الحكومة القادمة!
مصرع واصابة خمسة اشخاص بسقوط عربة للعبة سكة الموت في اربيل
مقتدى الصدر اخطر عراقي على العراق
صحيفة تكشف عن تلقي العامري رسائل من وكيل المرجعية.. ماذا تضمنت؟
تعرف على أسماء المرشحين الفائزين عن سائرون في بغداد
تحالف سائرون يتعرض لانتكاسة انتخابية !
بعد كل هذه الزوبعة: السيد السيستاني لم يقل عبارة (المجرب لا يجرب) !
لاشيء أخطر من السكوت عن مقتدى الصدر
بالصور: “برعي” الحاجب في “شاهد ماشفش حاجة” يعود من جديد… لن تصدقوا كيف أصبح
سيدخلون البرلمان على ظهور حميرهم
السفير الامريكي الاسبق في العراق يؤكد: حولنا الصدر من "عدو" الى "شريك بناء"
اوروك تنشر اسماء وعدد الأصوات النهائية لجميع المرشحين في قائمة الفتح
العبادي يرفض شروط مقتدى ويؤكد أن لا حكومة تشكل من دون مشاركة الفتح ودولة القانون والمكونين السني والكردي
واشنطن بوست السعوديون والامارات يهربون المخدرات الى العراق لهذا السبب ؟
عاجل .. بالوثيقة مقتدى الصدر يتخلى عن تحالف سائرون ويهدد اتباعه بالالتزام
بالصور.. كيف تحول يخت صدام (الملكي) المذهب إلى فندق للطلبة المرشدين ؟!
المالكي: نمتلك أدلة قاطعة على وجود جهود إقليمية للتلاعب بنتائج الانتخابات.. والمفوضية تلتزم الصمت !