على عتبةِ النوحِ... أو الغناءِ

عدد القراءات : 1187
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
على عتبةِ النوحِ... أو الغناءِ

د. سلمان كيوش

في واحدةٍ من نوباتِ وجدِهِ الدامي بالهور سردَ عبّود المنشداوي، الحوشيّ في مضيفِ حمود بن خليفة المْحمّداوي، حكايةً. قال:
سمعتُ اسمي يتردّدُ على لسانِ الشيخِ حمود فهرعتُ من فوري نحوه، قال: هذا سيّد محمّد بن سيّد كاظم يريدُ الوصولَ إلى العَدِل. تولَّ الدفعَ به. خذْ الطّرادةَ.
ولأنّ المسافةَ طويلةٌ والوقتَ ليلٌ فقد استعنتُ برجل نشيطٍ آخر. جلسَ سيّد محمّد في وسط ِالطّرادة، وتوليتُ مَقدَمِها عند عنقها الطويلِ، قابضًا على مَرديّ أملس.. ودفعنا باتجاه العَدِل.
حين ابتعدنا عن السلفِ بدا امتدادُ الهورِ واضحًا تحتَ قمرٍ مكتملٍ قريبٍ. شعرتُ أني يمكنُ أن أطالَه بطرفِ المرديّ. وتغطّتْ مساحاتٌ شاسعةٌ من الماءِ بزهورِ الگعيبة. النسيمُ يحيي الموتى بعذوبته، والسكونُ مطبقٌ باستثناء نقيقِ الضفادعِ وصوتِ انغراز المرادي في الماء. طفتْ روحي وخَفّتْ.. وشعرتُ أنّي بجناحين، ستحملاني نحوَ القمرِ القريبِ.
برغمِ جلالِه، التفتُّ إلى سيّد محمّد وهو يتوسّط الطرّادة. قلتُ: غنِّ يا سيّد. لم يجبني. قلتُ له بين الجدِّ والهزلِ:" وجدّكَ رسول الله إذا ما تغنّي أكتلك بهذا المردي وأطمسك بالماي.. وعلى شرط تغنّي وگفة".
كانت الطرّادةُ كالزيطةِ في سرعتها وقد ابتعدنا كثيرًا عن مضيفِ حمود. نهضَ سيّد محمّد، أزاحَ طرفي شطفته وكوّرهما على عگاله، وزفرَ آه طويلةً جدًا.. بدتْ كما لو أنّه يئنُّ من ألمٍ في قلبِه أو كبدِه أو في عضوٍ مهمٍّ في جسدِه. صوتُ الليلِ مسموعٌ.. فتناهتْ إلينا من الظلمةِ، التي بعثرها ضياءُ القمرِ، ومن الصمتِ المطبقِ للهورِ ووحشةِ سكونه كلمةُ: افلحوا.. تردّدتْ كثيرًا. وكنتُ أردُّ بكلِّ حنجرتي: كفو.. كفو.. رايحين للعَدِل.
لم أكن أطمعُ بغيرِ أبوذيّةٍ واحدةٍ، لكنّ سيّد محمّد فاجأني بأبوذيّة أخرى وأخرى.. الغريبُ أن الضفادعَ تكفُّ عن نقيقها مع أنينِ السيّدِ، وتعاوده في صمته.
انحدرت الطرّادةُ سريعةً ودنتْ من مضيفِ سيّد صروطِ الاسماعيليّ. استطعتُ تبيّنَ الرايةِ السوداءِ الخافقة فوقَ شِبابه برغم العتمةِ والمسافةِ، ربما بفعلِ القمرِ الذي تشتّتَ أقمارًا على صفحةِ ماءٍ ممتدٍّ حتى عتمة الأفقِ الحالكة. مع الآه الجديدةِ الطويلةِ لأبوذيّةِ السيّد، ربما الرابعة، سمعنا "افلحوا" هادرةً راعدةً تسلّلتْ إلينا من جهةِ مضيفِ سيّد صروط.. وتلتها: وجَدّي إذا ما تحولون أعثّركم..
لم نجدْ بُدًّا من أن "نحوّل" في مضيفه، خفنا من أن يعثّرنا فيُطمس الطرّادة في البرگة الواسعةِ بين أبو صبور وأبو ﭽواثل. وحين هممنا بالنهوضِ لمواصلةِ رحلتنا إلى العَدِلِ اعترضَ سيّد صروط بالقول: ما تمشون. بعدها صمتَ قليلاً، نظرَ في وجهِ سيّد محمّد، الذي زادَه ضوءُ البطلِ المعلّق في الشَبّةِ إشراقًا. قال كأنّه يتعرّى، هكذا شعرتُ به: سيّد محمّد.. أستاهل تغنيلي؟ أطرقَ سيّد محمّد ثم رفع رأسَه محدّقًا في الشِباب السامقةِ وفي الموقدِ الذي اصطفتْ فيه دِلالٌ كثيرةٌ. لم ينطقْ بحرفٍ وهو يستحضرُ البختَ الجليلَ المقيمَ هنا منذُ دهرٍ.. ربما أرادَ التأكّدَ من صدقِ رغبةِ سيّد صروط.. ولعلّه تساءلَ في سرّه: أيصلحُ الغناءُ هنا، في حضرةِ الشّارِةِ والبخت؟. شعرتُ بالوقتِ الصعبِ الذي مرَّ على قلبِ سيّد محمّد وهو لا يدري ما الذي يجدرُ به فعلُه، أيرفضُ الطلبَ الغريبَ أم يذعنُ له؟ لكنّ صمتَه لم يدم طويلاً.. قال:" تامر سيّد.. أنتَ تستاهل ماي العين". نظّفَ حنجرتَه بسعال خفيفٍ مصطنعٍ، ثم صدحَ:
گوم انصب يا سيّد ماتمنه* على الوياه ليلة ماتمنه* لون الرجل يملك ماتمنه* مَهو بالهون فرگاهم عليّه.. جاءت الآه الاستهلاليّةُ مبعثرةً مضطربةً وخافتةً. لعلّه خافَ الشّارةَ التي قد تقلبه خنزيرًا أو رفشًا في مضيفِ الطُهرِ والبختِ الجليلين. لكنّه سرعان ما تماسك.
سكنَ رأسُ سيّد صروط تمامًا. وكفَّ حتى عن أن يُطرفَ بجفنيه. كنتُ منشغلاً بالنظرِ إلى وجههِ وقد صعقتني المفاجأة. كدتُ أزعق: سيّد صروط يطرب؟!!! العبّاس الزغيّر ينودُ برأسه طربًا بصوتُ سيّد محمّد. انتبهتُ للعصافيرِ وطيورٍ أخرى لا تكادُ تبينُ وهي تمدُّ رؤوسها من أعشاشها عند تلاقي أطرافِ الشِباب العاليةِ فوقنا، ولاحت مني التفاتةٌ إلى بابِ المضيفِ والفضاءِ الواسعِ الممتدِّ بعدَه.. ثمة عجولٌ صغيرةٌ تركتْ ضروعَ أمهاتها ومدّتْ أبوازها مستطلعةً ما يجري في المضيف.
أيجدرُ بي نقلُ ما رأيتُ وسمعتُ؟ وهل سيصدّقني أحدٌ؟ هل ستعي الخرور وصدور الواديّة والموزر وأبو صبور والحجيّة وأبو ﭼواثل الخبرَ؟ هل سيصدّقني الحوشيّة لو قلتُ لهم أن سيّد صروط أطرقَ باكيًّا وهو يستمعُ للغناءِ؟! هل سيطيقُ الفلاحون أنصافُ العُراةِ، وهم يسيّرون مشاحيفهم الصغيرةَ في مطاردةٍ محمومةٍ للبِنّي، خبرَ الطربِ الذي أبداهُ العبّاسُ الزغيّر؟ وبعدها هل ستصدّقُ العمارةُ كلُّها، بشطوطها وهورها وصحاريها؟
لا أريدُ أن أزلفَ من البختِ.. أنا لم أسمع انتحابًا لسيّد صروط.. كلُّ ما رأيتُه هو بريقُ دمعٍ ملأ مقلتيه، ثم رأيتُ كتفيه ترتعدان وقد غطّى كاملَ وجهه بشطفته.
***
أكثرُ من ستين عامًا مرّتْ على هذه الواقعةِ. جفَّ فيها الهورُ، ولم يعد جريانُ الماءُ يكسرُ المرديَّ في العَدِل أو الواديّة كما كان. ونبتَ الشوكُ والعاگَول في قاعِ أبو صبور والخرور وأبو ﭼواثل وتحوّلتْ إلى مجردِ أسماءٍ واخزةٍ للذاكرةِ الجنوبيّةِ المنكوبةِ.
لم أُبدِ سعادةً أو حزنًا وأنا أستمعُ لعبّود المنشداوي. كنتُ أكتفي بالنظرِ إليه فقط، فلديّ ما يكفي من الوقتِ والإرادةِ لأن أبكي وحدي، هذا غير مقتي الشديدِ للبكاءِ في حضرةِ الغرباءِ. شعرتُ وأنا ألممُ أشيائي لأغادرَ أني على صوابٍ كبيرٍ، وأنّي سعيدٌ بقدرتي على الانتحابِ في حضرةِ غناءٍ يصعبُ تفريقُه عن النواحِ.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
الأكثر شعبية
فلكي مغربي يفتح طلاسم دانيال ويكشف مقتل حاكم الحجاز في مكة .. ولبنان تبكي زعيمها .. وسوريا أمام مصيرها خلال 3 أشهر .. اليكم التفاصيل
العصائب: قرار منع الخزعلي دخول لبنان جاء اثر ضغوطات آل سعود على الحريري
الصدر يدعو الى فصل قضية القدس عن العراق
مصادر فرنسية: الإمارات وراء مقتل علي عبد الله صالح
الحشد يشرع بتطهير الحدود العراقية السورية بطول 55 كم
هذه الدول تمنح الإقامة لمن يشتري منزلا فيها!
ابنة صدام تنعى "عمها البطل"!
الصدر يجمد عمل كتلة الاحرار لـ 4 سنوات
بن سلمان يشتري لوحة لدافنشي بـ 450 مليون دولار
رغم وعودها بالاعتراف بالدولة الكردية. بارزاني: هكذا تركتنا واشنطن نواجه "التهديد" وخيبت امالنا!
عندما يكون الزحف حكوميا ورسميا
بعد فشل فتنة صنعاء ومقتل صاحبها مسيرة جماهيرية كبرى لابناء العاصمة
كاريكاتير.. البحر الميت عاصمة فلسطين
دعوة لمحاكمة النجيفي والعيساوي وزيباري بالخيانة العظمى
الحشد الشعبي يطهر 35 قرية ومساحة 4300 كيلو متر مربع ضمن عمليات تطهير الجزيرة وأعالي الفرات
مذبحة في فجر اسود.. قصي صدام والعقيد حسن العامري يعدمان في سجن "أبو غريب" الفي مواطن في يوم واحد!
تفاصيل الصفقة "القذرة".. الأكراد هرّبوا آلاف الدواعش من الرقة محملين بأسلحتهم وطائرات التحالف تنير لهم الطريق
بارزاني یخطط لتشكيل “تنظيم اجرامي” على غرار داعش
ثامر السبهان "الزعطوط " اختفى بعد مسيرة مليئة بالفشل
الخارجية تنتقد الأردن بعدم احترامها للعراقيين.. وعمان تحدد مصير "رغد صدام
فلكي مغربي يفتح طلاسم دانيال ويكشف مقتل حاكم الحجاز في مكة .. ولبنان تبكي زعيمها .. وسوريا أمام مصيرها خلال 3 أشهر .. اليكم التفاصيل
صحيفة لوموند الفرنسية: بماذا هدد ماكرون السعودية؟
فيضانات جارفة ومنطقة حرب جديدة.. توقعات “نوستراداموس” للعام 2018
واشنطن بوست: السعودية تعرضت لضربة مزدوجة من لبنان وسوريا خلال ساعات
العبادي يوجه "إهانة دبلوماسية" إلى ألمانيا
الحشد الشعبي: ابناء الشهيدة رنا العجيلي سيكونون أمانة في أعناقنا
العصائب: قرار منع الخزعلي دخول لبنان جاء اثر ضغوطات آل سعود على الحريري
موجة برد قادمة للعراق تبدأ الاربعاء المقبل
إلى أين يقود الشاب محمد بن سلمان المملكة المحافظة ؟!
جريدة لبنانية: التيار الصدري مقبل على تنشيط التوجه نحو الرياض، وقادته سيعملون على تلميع صورة السبهان في العراق !