على عتبةِ النوحِ... أو الغناءِ

عدد القراءات : 991
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
على عتبةِ النوحِ... أو الغناءِ

د. سلمان كيوش

في واحدةٍ من نوباتِ وجدِهِ الدامي بالهور سردَ عبّود المنشداوي، الحوشيّ في مضيفِ حمود بن خليفة المْحمّداوي، حكايةً. قال:
سمعتُ اسمي يتردّدُ على لسانِ الشيخِ حمود فهرعتُ من فوري نحوه، قال: هذا سيّد محمّد بن سيّد كاظم يريدُ الوصولَ إلى العَدِل. تولَّ الدفعَ به. خذْ الطّرادةَ.
ولأنّ المسافةَ طويلةٌ والوقتَ ليلٌ فقد استعنتُ برجل نشيطٍ آخر. جلسَ سيّد محمّد في وسط ِالطّرادة، وتوليتُ مَقدَمِها عند عنقها الطويلِ، قابضًا على مَرديّ أملس.. ودفعنا باتجاه العَدِل.
حين ابتعدنا عن السلفِ بدا امتدادُ الهورِ واضحًا تحتَ قمرٍ مكتملٍ قريبٍ. شعرتُ أني يمكنُ أن أطالَه بطرفِ المرديّ. وتغطّتْ مساحاتٌ شاسعةٌ من الماءِ بزهورِ الگعيبة. النسيمُ يحيي الموتى بعذوبته، والسكونُ مطبقٌ باستثناء نقيقِ الضفادعِ وصوتِ انغراز المرادي في الماء. طفتْ روحي وخَفّتْ.. وشعرتُ أنّي بجناحين، ستحملاني نحوَ القمرِ القريبِ.
برغمِ جلالِه، التفتُّ إلى سيّد محمّد وهو يتوسّط الطرّادة. قلتُ: غنِّ يا سيّد. لم يجبني. قلتُ له بين الجدِّ والهزلِ:" وجدّكَ رسول الله إذا ما تغنّي أكتلك بهذا المردي وأطمسك بالماي.. وعلى شرط تغنّي وگفة".
كانت الطرّادةُ كالزيطةِ في سرعتها وقد ابتعدنا كثيرًا عن مضيفِ حمود. نهضَ سيّد محمّد، أزاحَ طرفي شطفته وكوّرهما على عگاله، وزفرَ آه طويلةً جدًا.. بدتْ كما لو أنّه يئنُّ من ألمٍ في قلبِه أو كبدِه أو في عضوٍ مهمٍّ في جسدِه. صوتُ الليلِ مسموعٌ.. فتناهتْ إلينا من الظلمةِ، التي بعثرها ضياءُ القمرِ، ومن الصمتِ المطبقِ للهورِ ووحشةِ سكونه كلمةُ: افلحوا.. تردّدتْ كثيرًا. وكنتُ أردُّ بكلِّ حنجرتي: كفو.. كفو.. رايحين للعَدِل.
لم أكن أطمعُ بغيرِ أبوذيّةٍ واحدةٍ، لكنّ سيّد محمّد فاجأني بأبوذيّة أخرى وأخرى.. الغريبُ أن الضفادعَ تكفُّ عن نقيقها مع أنينِ السيّدِ، وتعاوده في صمته.
انحدرت الطرّادةُ سريعةً ودنتْ من مضيفِ سيّد صروطِ الاسماعيليّ. استطعتُ تبيّنَ الرايةِ السوداءِ الخافقة فوقَ شِبابه برغم العتمةِ والمسافةِ، ربما بفعلِ القمرِ الذي تشتّتَ أقمارًا على صفحةِ ماءٍ ممتدٍّ حتى عتمة الأفقِ الحالكة. مع الآه الجديدةِ الطويلةِ لأبوذيّةِ السيّد، ربما الرابعة، سمعنا "افلحوا" هادرةً راعدةً تسلّلتْ إلينا من جهةِ مضيفِ سيّد صروط.. وتلتها: وجَدّي إذا ما تحولون أعثّركم..
لم نجدْ بُدًّا من أن "نحوّل" في مضيفه، خفنا من أن يعثّرنا فيُطمس الطرّادة في البرگة الواسعةِ بين أبو صبور وأبو ﭽواثل. وحين هممنا بالنهوضِ لمواصلةِ رحلتنا إلى العَدِلِ اعترضَ سيّد صروط بالقول: ما تمشون. بعدها صمتَ قليلاً، نظرَ في وجهِ سيّد محمّد، الذي زادَه ضوءُ البطلِ المعلّق في الشَبّةِ إشراقًا. قال كأنّه يتعرّى، هكذا شعرتُ به: سيّد محمّد.. أستاهل تغنيلي؟ أطرقَ سيّد محمّد ثم رفع رأسَه محدّقًا في الشِباب السامقةِ وفي الموقدِ الذي اصطفتْ فيه دِلالٌ كثيرةٌ. لم ينطقْ بحرفٍ وهو يستحضرُ البختَ الجليلَ المقيمَ هنا منذُ دهرٍ.. ربما أرادَ التأكّدَ من صدقِ رغبةِ سيّد صروط.. ولعلّه تساءلَ في سرّه: أيصلحُ الغناءُ هنا، في حضرةِ الشّارِةِ والبخت؟. شعرتُ بالوقتِ الصعبِ الذي مرَّ على قلبِ سيّد محمّد وهو لا يدري ما الذي يجدرُ به فعلُه، أيرفضُ الطلبَ الغريبَ أم يذعنُ له؟ لكنّ صمتَه لم يدم طويلاً.. قال:" تامر سيّد.. أنتَ تستاهل ماي العين". نظّفَ حنجرتَه بسعال خفيفٍ مصطنعٍ، ثم صدحَ:
گوم انصب يا سيّد ماتمنه* على الوياه ليلة ماتمنه* لون الرجل يملك ماتمنه* مَهو بالهون فرگاهم عليّه.. جاءت الآه الاستهلاليّةُ مبعثرةً مضطربةً وخافتةً. لعلّه خافَ الشّارةَ التي قد تقلبه خنزيرًا أو رفشًا في مضيفِ الطُهرِ والبختِ الجليلين. لكنّه سرعان ما تماسك.
سكنَ رأسُ سيّد صروط تمامًا. وكفَّ حتى عن أن يُطرفَ بجفنيه. كنتُ منشغلاً بالنظرِ إلى وجههِ وقد صعقتني المفاجأة. كدتُ أزعق: سيّد صروط يطرب؟!!! العبّاس الزغيّر ينودُ برأسه طربًا بصوتُ سيّد محمّد. انتبهتُ للعصافيرِ وطيورٍ أخرى لا تكادُ تبينُ وهي تمدُّ رؤوسها من أعشاشها عند تلاقي أطرافِ الشِباب العاليةِ فوقنا، ولاحت مني التفاتةٌ إلى بابِ المضيفِ والفضاءِ الواسعِ الممتدِّ بعدَه.. ثمة عجولٌ صغيرةٌ تركتْ ضروعَ أمهاتها ومدّتْ أبوازها مستطلعةً ما يجري في المضيف.
أيجدرُ بي نقلُ ما رأيتُ وسمعتُ؟ وهل سيصدّقني أحدٌ؟ هل ستعي الخرور وصدور الواديّة والموزر وأبو صبور والحجيّة وأبو ﭼواثل الخبرَ؟ هل سيصدّقني الحوشيّة لو قلتُ لهم أن سيّد صروط أطرقَ باكيًّا وهو يستمعُ للغناءِ؟! هل سيطيقُ الفلاحون أنصافُ العُراةِ، وهم يسيّرون مشاحيفهم الصغيرةَ في مطاردةٍ محمومةٍ للبِنّي، خبرَ الطربِ الذي أبداهُ العبّاسُ الزغيّر؟ وبعدها هل ستصدّقُ العمارةُ كلُّها، بشطوطها وهورها وصحاريها؟
لا أريدُ أن أزلفَ من البختِ.. أنا لم أسمع انتحابًا لسيّد صروط.. كلُّ ما رأيتُه هو بريقُ دمعٍ ملأ مقلتيه، ثم رأيتُ كتفيه ترتعدان وقد غطّى كاملَ وجهه بشطفته.
***
أكثرُ من ستين عامًا مرّتْ على هذه الواقعةِ. جفَّ فيها الهورُ، ولم يعد جريانُ الماءُ يكسرُ المرديَّ في العَدِل أو الواديّة كما كان. ونبتَ الشوكُ والعاگَول في قاعِ أبو صبور والخرور وأبو ﭼواثل وتحوّلتْ إلى مجردِ أسماءٍ واخزةٍ للذاكرةِ الجنوبيّةِ المنكوبةِ.
لم أُبدِ سعادةً أو حزنًا وأنا أستمعُ لعبّود المنشداوي. كنتُ أكتفي بالنظرِ إليه فقط، فلديّ ما يكفي من الوقتِ والإرادةِ لأن أبكي وحدي، هذا غير مقتي الشديدِ للبكاءِ في حضرةِ الغرباءِ. شعرتُ وأنا ألممُ أشيائي لأغادرَ أني على صوابٍ كبيرٍ، وأنّي سعيدٌ بقدرتي على الانتحابِ في حضرةِ غناءٍ يصعبُ تفريقُه عن النواحِ.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
أخر الإضافات
الطلبة يقدم شكوى رسمية لاتحاد الكرة ضد لاعبيه
سليماني: هذا ما أردناه حينما دخلنا إلى العراق
تحرر قرى شرق المحلبية غرب الموصل
الإمارات تستثمر في مشروع انبوب الغاز بين نيجيريا - أوروبا
انقلاب في دولة الامارات وحالة طواريء تعلنها ابوظبي
القوات الامنية تحرر قريتين جديدتين جنوب غربي تلعفر
الحج تعلن استكمال الإجراءات المتعلقة بسفر وإسكان الحجاج الإضافيين
بالاسماء.. نصيف تتهم الجميلي بمنح نواب استثمارات في مطاحن مقابل التصويت لصالحه
تحدّيات جديدة للجبهة الداخليّة في اليمن.. فما هي سبل المواجهة؟
سؤال برسم برزاني.. هل ستعطي تركمان وعرب كردستان العراق حق تقرير المصير؟
الحشد يفتح الساتر الأمامي لتلعفر ويقتل عشرات الدواعش
الحشد يحاصر قرية وطيران الجيش يدمر 3 مفخخات غرب تلعفر
قوات الحشد تحرر قرية تل زنبار غرب تلعفر
بدء معركة تحرير تلعفر
جهات مشبوهة تدفع بالملّا للترويج لإلغاء الانتخابات البرلمانية
الأكثر شعبية
انقلاب في دولة الامارات وحالة طواريء تعلنها ابوظبي
داعش الوهابية نعمة ام نقمة
بالاسماء.. نصيف تتهم الجميلي بمنح نواب استثمارات في مطاحن مقابل التصويت لصالحه
تحدّيات جديدة للجبهة الداخليّة في اليمن.. فما هي سبل المواجهة؟
تخيَّل أن الموز قد يقتلك ! 7 أطعمة يؤدي تناولها بكثرة إلى الوفاة
الحج تعلن استكمال الإجراءات المتعلقة بسفر وإسكان الحجاج الإضافيين
هل تعاني تساقط الشعر... إليك الأسباب والحلول!
النقل: استمرار البحث عن طاقم السفينة العراقية التي اصطدمت باخرى اجنبية
بدء معركة تحرير تلعفر
الإمارات تستثمر في مشروع انبوب الغاز بين نيجيريا - أوروبا
القوات الامنية تحرر قريتين جديدتين جنوب غربي تلعفر
الحشد يفتح الساتر الأمامي لتلعفر ويقتل عشرات الدواعش
سليماني: هذا ما أردناه حينما دخلنا إلى العراق
جهات مشبوهة تدفع بالملّا للترويج لإلغاء الانتخابات البرلمانية
قوات الحشد تحرر قرية تل زنبار غرب تلعفر
انقلاب في دولة الامارات وحالة طواريء تعلنها ابوظبي
بالوثائق والصور... الفتلاوي ذهبت للحج مع والدتها وزوجها بموافقات خاصة عام ٢٠١١ واثنت على هيئة الحج
توسيع العلاقات بين السعودية والعراق، سياسة طويلة الأمد أم تكتيكية ومؤقتة
نائبة صدرية: كاظم المقدادي اتهم مقتدى الصدر بـ 'الخيانة' وعلى قناة العراقية محاسبته
صحيفة بريطانية: طوني بلير تلقى رشاوي بالملايين من الامارات
هل سيضرم العبادي والشهرستاني النار في نفسيهما ؟!
موقع بريطاني: ولي العهد السعودي سيقيل الجبير ويعين شقيقه خالد بن سلمان وزيرا للخارجية
ماذا لو عاد صدام لحكم العراق؟
كيف تعرف العسل الأصلي من المغشوش
بالتفاصيل والارقام.. السجن بحق 26 مسؤولا "كبيرا" في الحكومة!
ماهي الأمراض التي يقضي عليها خليط الثوم والليمون الحامض؟
داعش الوهابية نعمة ام نقمة
بالاسماء.. نصيف تتهم الجميلي بمنح نواب استثمارات في مطاحن مقابل التصويت لصالحه
روسيا تستنكر تزويد الارهابيين في سوريا بذخائر كيميائية أمريكية وبريطانية
تحدّيات جديدة للجبهة الداخليّة في اليمن.. فما هي سبل المواجهة؟
ويكيليكس تكشف عن تطبيع سعودي مع حليف سرّي "معادي للمسلمين"
صحيفة بريطانية تفضح إجرام بارزاني: سلم النساء الايزيديات لداعش مقابل كركوك
انقلاب في دولة الامارات وحالة طواريء تعلنها ابوظبي
بعد عودته من السعودية.. الصدر يحضر لـ”خطاب ناري” وتظاهرات لحل الحشد
رسالة مفاجئة للسيد رياض الحكيم … هل بلغ السيل الزبى ؟
استقبال السبهان لمقتدى علامَ يدل ؟!
بالوثائق والصور... الفتلاوي ذهبت للحج مع والدتها وزوجها بموافقات خاصة عام ٢٠١١ واثنت على هيئة الحج
تعرف على الخديعة الأمريكية التي سرقت بموجبها شعوب العالم
بماذا توعد اللواء قاسم سليماني بعد شهادة المجاهد مسحن حججي؟
فضيحة جنسية من العيار الثقيل تهز السعودية وبطلتها الشيخة ريما بنت طلال بن عبد العزيز!
المهندس : نمتلك معلومات سرية عن دول لانرغب بالاعلان عنها حالياً
محللون سياسيون: مقتدى الصدر لن يزور اي مدينة شيعية في السعودية والتظاهرات ستعود الى بغداد
ناديا مراد: زيارتي لاسرائيل جاءت بصفتي سفيرة للامم المتحدة
التيار الصدري.. تيار شيعي بنكهة سعودية!
متى نكسر وثن الجغرافيا المقدس؟!