حكومة الطوارئ في العراق… بين مقتضيات المصلحة ومتطلبات الهيمنة

عدد القراءات : 12948
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
حكومة الطوارئ في العراق… بين مقتضيات المصلحة ومتطلبات الهيمنة

الباحث الدكتور أحمد الميالي

منذ ان استلم د.حيدر العبادي طرحت دعوات من بعض اجنحة القوى السياسية لقيام حكومة طؤارئ واحيانا اخرى حكومة انقاذ وطني وتارة اخرى حكومة مصغرة من قبل تحالف القوى العراقية وائتلاف الوطنية وحتى بعض اطراف التحالف الوطني بالمقابل يطرح الحزب الديمقراطي الكردستاني مسالة الانفصال واجراء الاستفتاء على ذلك.

تتسم هذه الدعوات بانها سياسية ودعائية اكثر منها واقعية او معبرة عن موقف سياسي موحد ورسمي للداعين لها، فكلما زادت التجاذبات السياسية بين الفرقاء حول القضايا الجوهرية تطرح هذه الخيارات في وسائل الاعلام ولانراها تدرس داخل الهيئات السياسية لهذه القوى ويعلن عنها كخيار مطروح ومتبنى.

لكن في الاونة الاخيرة طرح خيار حكومة الطؤارئ بشكل متواتر مع اشتداد سير المعارك ضد تنظيم داعش وقرب حسم تحرير كامل الموصل وغموض مشهد ادارة الحكم في الموصل والمناطق المحررة الاخرى بعد هزيمة التنظيم.

من قبل منصات دولية واقليمية كالادارة الامريكية، وبعض القوى السياسية خاصة مع قرب مشاهد عدم الوضوح لكيفية ادارة تلك المناطق اضافة الى تعقيدات الوضع السياسي المتعلق بتاجيل الانتخابات المحلية وقد ينسحب على الانتخابات النيابية المقبلة وارتباطا مع جمود ملف تغيير المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وملف النظام الانتخابي وقانون الانتخابات المختلف عليه، هذه التعقيدات قد تدخل البلد نحو ازمة حكم حقيقية تتيح للاطراف الدولية والاقليمية انخراطا اكثر في الساحة العراقية وتعطي لبعض القوى السياسية وخاصة من تعاني من تراجع الرصيد الانتخابي والشعبي طرح بدائل لاختلال الحكم والمتمثلة بحكومة طؤارئ او انقاذ وطني او حكومة مصغرة، لان التعطيل الدستوري للاستحقاقات الانتخابية وغياب استراتيجيات ادارة الاوضاع مابعد داعش تحقق اجماع ومقبولية الاطراف كافة قد تعزز الطعن بشرعية الحكم ويسمح من خلال ذلك التخطيط لمرحلة سياسية جديدة تبدا من خلال التمديد او تصريف الاعمال والاخطر من ذلك طرحت مثل هكذا انواع من الحكومات للعراق في بعض المؤتمرات الاقليمية والدولية لبعض القوى السياسية لتبينها مابعد داعش.

المهم ان نوضح ماذا تعني حكومة الطؤارئ والانقاذ، هنالك لبس سياسي في تفسير هذين النوعين من الحكومات فحكومة الطؤارئ لاتعني ازاحة الحكومة الحالية وتشكيل حكومة اخرى بديلة تدير البلاد بشكل انتقالي او مؤقت انما تعني ان تقوم الحكومة الحالية باعلان حالة الطؤارى لمدة زمنية معينه في حالات معينه واهمها الحرب والتدهور الامني والكوارث الطبيعية او انتشار الاوبئة، بما يهدد سيادة الدولة واراضيها وامنها الداخلي، ويتيح للحكومة ان تسير اعمالها وفقا لتحديات المرحلة وليس وفقا لمعايير الدستور والقانون وحقوق الانسان ، وفي الانظمة الديمقراطية تحتاج الحكومات اجازة السلطة التشريعية للمصادقة على قرارها ، وفي الحالة العراقية نصت المادة ٦١ تاسعا من الدستور النافذ، على صلاحيات السلطة التشريعية ومن ضمنها اعلان حالة الطوارئ والتي تكون وفق الشروط الاربعة الاتية :-

أ ـ الموافقة على اعلان الحرب وحالة الطوارئ بأغلبية الثلثين، بناء على طلبٍ مشترك من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء.

ب ـ تُعلن حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوماً قابلة للتمديد، بالموافقةٍ عليها في كل مرة باغلبية بسيطة.

ج ـ يخول رئيس مجلس الوزراء الصلاحيات اللازمة التي تمكنه من ادارة شؤون البلاد اثناء مدة اعلان الحرب وحالة الطوارئ، وتنظم هذه الصلاحيات بقانونٍ، بما لا يتعارض مع الدستور.

د ـ يعرض رئيس مجلس الوزراء على مجلس النواب، الاجراءات المتخذة والنتائج، اثناء مدة اعلان الحرب وحالة الطوارئ، خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ انتهائها.

العراق بحاجة الى تشريع قانون وفق المادة ٦١ تاسعا (ج) لتحديد ملامح واجراءات وسياقات حالة الطوارى لان قانون السلامة الوطنية الصادر عام ٢٠٠٤ ابان حكومة اياد علاوي لم يعد نافذا بعد نفاذ الدستور لعام ٢٠٠٥ ، فالعراق قد يحتاج اعلان حالة طوارى تقوم بها الحكومة الحالية تحقيقيا لمقتضيات المصلحة العليا للدولة بعد استكمال عمليات التحرير وفق الاشتراطات الدستورية اعلاه اذا ما كانت هنالك ضرورات امنية جزئيا في تلك المناطق لاتشمل المحافظات الامنة او اقليم كردستان وهذا جائزا وفيه سوابق تاريخية، لكن مايفهم من بعض التصريحات والدعوات ان المقصود ليس حالة طوارى بل حكومة طوارى جديدة رئيسها مما يستدعي تعطيل البرلمان والانتخابات وهذا الخيار تتبناه الادارة الامريكية صراحة اكثر من القوى السياسية التي تطالب به شكلا لا مضمونا…وهذا مستعبد لعدم وجود الية دستورية لتنفيذ مثل هكذا حكومة ولعدم وجود اصطفافات سياسية ترجح هذا الخيار ناهيك عن تعرضه لامتعاض شعبي اذا ماطرح.

الا اذا كان خيار الامر الواقع بمعنى سحب الثقة من الحكومة الحالية وتكليف حكومة مؤقته او مصغرة لادارة وتصريف شؤون الدولة وهذا لايتطابق مع حيثيات مفهوم حكومة الطوارى بل يعني استبدال حكومة باخرى رغم استبعاد امكانية اللجوء الى هذا الخيار سياسيا.

اما الطرح الاخر المتمثل بحكومة الانقاذ الوطني فهي ايضا معرض التباس عند النخب السياسية والقوى والاطراف الداعية لها فمثل هكذا حكومة يتم اللجوء اليها في حالات الفوضى والاضطراب وعدم الاستقرار العام لكل مفاصل الدولة السياسية والاجتماعية والامنية، او حينما يحصل هنالك انقلاب سياسي او عسكري ، اذ تقوم هذه الحكومة بعملية منع انهيار كيان الدولة او ايقاف اسباب الانحدار نحو الحرب الاهلية ،فحكومة الانقاذ هي احد اليات منع الحروب الاهلية تشكل من شخصيات مقبولة او مستولية، في ظل صراعات سياسية لايمكن ادارتها وتنعكس سلبا على الدولة..

وقد عالج ميثاق الامم المتحدة في الفصل السابع ظروف اعلان حكومة الانقاذ الوطني لكن لاننسى انها ستبقي الدولة تحت طائلة هذا البند وهذه دوامة جديدة لتقييد سيادة الدولة واستقرارها الخارجي وجعلها تحت الوصاية ناهيك عن مشاهد التعقيد الداخلي.

اذن حكومة الانقاذ الوطني اوحكومة الطؤاري تاتي وفق ظروف تعتمد على وضع الدستور على الرف وادارة الشان العام لتاسس وضع سياسي جديد وقد يكون ايضا دستور جديد وهذا ماارادته بعض القوى السياسية العراقية وحتى الامم المتحدة والادارة الامريكية قبل بعض سنوات، اذ طرحت حل كحكومة الانقاذ الوطني، والان يطرح خيار حكومة طوارئ للمرحلة المقبلة لتكون بديلا عن مشاهد الغموض فيما يخص الاستحقاقات الانتخابية المعطلة او ادارة المناطق المحررة والمتنازع عليها.

ويبدو ان المطلوب هو حكومة تقلص حجم الخلافات السياسية وتؤسس واحدية للسلطة التنفيذية لممارسة اعمالها عبر ايقاف مبدا الفصل بين السلطات نتيجة الظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد التي تتطلب تقوية السلطة التنفيذية بمنحها سلطات خاصة بعضها من إختصاص السلطة التشريعية وبعضها من إختصاص السلطة القضائية وتحريرها من بعض القيود السياسية والنقد والطعن الموجه اليها، للحد اللازم لمجابهة تلك الاوضاع الإستثنائية الطارئة.

 

وقد تكون هنالك مصلحة في هذه الحيثيات ،ولكن في مثل هذه الحالة اكرر القول ان حكومة الطوارى يجب أن تخضع ممارستها للمراقبة الدولية في الامم المتحدة من خلال لجنة حقوق الانسان فيه وهذا يعيد عملية الوصاية الدولية التي مر بها العراق منذ عام ٢٠٠٣ ولغاية ٢٠١١، حينما كانت الولايات المتحدة الامريكية تحتل العراق، ونموذج حكومة الطوارى في العراق قد يأكد الوجود والنفوذ الفاعل والمهم لها فيه ويعيد مشهد رسم مسار الأحداث في المنطقة، بعد ان خسرت هذه الفرصة بعد خروجها من العراق، ويجعل دورها اساسي في صياغة احداث وسياسيات وتموضعات بما يخدم ضرورات المصالح الأمريكية ويفتح ابواب تحقيق مقتضيات الهيمنة الامريكية من جديد في المنطقة، ناهيك عن ارتباك المشهد الداخلي الذي قد يفرز حالة سياسية مغايرة لايمكن تخمين محاسنها وايجابياتها .

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
أخر الإضافات
ماذا يحدث لجسمك عندما تحبس البول في المثانة لوقت طويل؟
بسبب الملصقات الدعائية، مرشحان من عشيرة اللهيبي يتقاتلان بينهما، ينتهى بوفاة مرشح تحالف بغداد، وانتصار مرشح علاوي !
هكذا يبدو سوبرمان مع بلوغه 80 عاما
ماهي خيارات ايران في حال الغاء الاتفاق النووي على لسان ظريف
تعرف على افضل عشرة أعشاب علاجية
مفاجأة في رحيل فينجر عن آرسنال
امريكا تتهم السعودية بانتهاك حقوق الانسان على نطاق واسع!!
صحيفة الحياة اللندنية : العراق يستأنف دفع التعويضات للكويت
تحرير ايزيدية بعد اكثر من ثلاث سنوات من اختطافها
بعد خروجهما من دوري ابطال اوربا..برشلونة واشبيلية يلتقيان اليوم بنهائي مثير لكاس اسبانيا
عندما تعرفون لماذا يضع الناس هذا على أيديهم ستندمون لأنكم لم تعرفوا ذلك من قبل!
بالفيديو.. تحنيط الناقة "خزامة" الأعلى سعرًا في السعودية
ابتسامة بيل تعجل برحيله عن ريال مدريد
العلاقات السعودية العراقية .. الى أين ؟
المفوضية توضح أسباب إجرائها التصويت التجريبي اليوم
الأكثر شعبية
بسبب الملصقات الدعائية، مرشحان من عشيرة اللهيبي يتقاتلان بينهما، ينتهى بوفاة مرشح تحالف بغداد، وانتصار مرشح علاوي !
صحيفة الحياة اللندنية : العراق يستأنف دفع التعويضات للكويت
التغيير: بغداد أرسلت 317 مليار دينار لصرف رواتب موظفي الإقليم
بالفيديو.. تحنيط الناقة "خزامة" الأعلى سعرًا في السعودية
تحرير ايزيدية بعد اكثر من ثلاث سنوات من اختطافها
تعرف على افضل عشرة أعشاب علاجية
بعد خروجهما من دوري ابطال اوربا..برشلونة واشبيلية يلتقيان اليوم بنهائي مثير لكاس اسبانيا
ماذا يحدث لجسمك عندما تحبس البول في المثانة لوقت طويل؟
ماهي خيارات ايران في حال الغاء الاتفاق النووي على لسان ظريف
المفوضية توضح أسباب إجرائها التصويت التجريبي اليوم
ابتسامة بيل تعجل برحيله عن ريال مدريد
الحشد يفكك ٧ عبوات ناسفة بالقرب من الطريق المؤدي الى الإمامين العسكريين
العلاقات السعودية العراقية .. الى أين ؟
هكذا يبدو سوبرمان مع بلوغه 80 عاما
مفاجأة في رحيل فينجر عن آرسنال
علاوي لآل سعود: ادعموني أحقق رغباتكم في العراق
تدمير 7 مضافات و3 انفاق وتفجير 24 عبوة في الانبار
واشنطن بوست السعوديون والامارات يهربون المخدرات الى العراق لهذا السبب ؟
الناطق باسم تحالف العبادي يطالب بإعدام من يدعو لتحقيق المشروع السعودي في ساحة التحرير !
رسائل التهنئة بمناسبة مولد الامام الحسين (ع)
الرافدين يطلق سلفة الـ10 ملايين دينار لموظفي التربية الكترونيا
فيديو يفجر فضيحة أخلاقية تهز دولة عربية
إذا كانت فئة دمك O، اقرأ هذا الخبر قد ينقذ حياتكم!
حفاوة إسرائيلية غير مسبوقة بمقال صهيوني منشور في جريدة الرياض السعودية
مشروع "تحويل قطر الي الجزيرة" يسلك طريقه
هل تعاني من نوبات القلق؟ هذه الأغذية قبل اللجوء للمهدئات!
بالصور: انتكاسة جديدة لنجم بايرن ميونخ
صحيفة: الصدر أراد توجيه رسالة لإيران عبر تظاهرة سوريا
دول تمنحك جنسيتها أو إقامتها بمقابل مادي.. تعرف عليها
هل نقلت "حلا" رفاة ابيها المقبور إلى الأردن بطائرة خاصة؟!!
14 إشارة تشير إلى أن سكر الدم عال جداً… فحذار منها
حين يتعرى "المقاومون"
علاوي لآل سعود: ادعموني أحقق رغباتكم في العراق
بتوقيع معصوم اليوم حلت الكارثة بالعراقيين
في اليابان تذكرت علي بن ابي طالب ع
تعرف على "الصواريخ الجديدة" التي هدد بها ترامب سوريا؟
لماذا تركت روسيا حليفها السوري وحيدا امام العدوان؟!
هل تعرف من هو الملك المسلم الذي حكم بريطانيا وتجاهلته كتب التاريخ البريطانية ؟!
روبرت فيسك: حرب عالميّة إلى الواجهة.. فهل تُطلقها روسيا في هذا العام؟
تفاصيل جديدة عن اختطاف ابنة حاكم دبي “الهاربة” وإعادتها للإمارات
الصين تصنع “مُحرِّكاً مستحيلاً”.. يعمل بلا وقود وينقل البشر إلى المريخ في 10 أسابيع!
ما علاقة ابن سلمان وابن زايد بإقالة تيلرسون؟
جريدة الوقائع العراقية تنشر قانون الموازنة المالية لعام 2018
تحرير مواطنين اختطفهما داعش شمال شرقي ديالى
هل تعلم أن لكل ساعة في اليوم اسماً في اللغة العربية؟